فهرس الكتاب

الصفحة 3418 من 3896

وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ قِمَارٌ. وَلَنَا، أَنَّ أَحَدُهُمَا يَخْتَصُّ بِالسَّبْقِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ.

وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ ; لِأَنَّ الْقِمَارَ أَنْ لَا يَخْلُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَهَا هُنَا لَا خَطَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَلَا يَكُونُ قِمَارًا فَإِذَا سَبَقَ الْمُخْرِجُ أَحْرَزَ سَبَقَهُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ سَبَقَ الْآخَرُ أَخَذَ سَبْقَ الْمُخْرِجِ فَمَلَكَهُ، وَكَانَ كَسَائِرِ مَالِهِ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الْجَعَالَةِ، فَيُمْلَكُ فِيهَا، كَالْعِوَضِ الْمَجْعُولِ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ. وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ، فَهُوَ دَيْنٌ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ، وَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ أَفْلَسَ، ضُرِبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.

(7908) فَصْلٌ: وَالْمُسَابَقَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: هُوَ لَازِمٌ إنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهُمَا، وَجَائِزٌ إذَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي احْتِمَالًا ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ مَعْلُومَيْنِ، فَكَانَ لَازِمًا، كَالْإِجَارَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَا تَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَكَانَ جَائِزًا، كَرَدِّ الْآبِقِ، فَإِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْإِصَابَةِ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْإِجَارَةَ.

فَعَلَى هَذَا، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْفَسْخُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الزِّيَادَةَ فِيهَا أَوْ النُّقْصَانَ مِنْهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ إجَابَتُهُ، فَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ، جَازَ الْفَسْخُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ، مِثْلُ أَنْ يَسْبِقَهُ بِفَرَسِهِ فِي بَعْضِ الْمُسَابَقَةِ، أَوْ يُصِيبَ بِسِهَامِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَلِلْفَاضِلِ الْفَسْخُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَفْضُولِ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لَفَاتَ غَرَضُ الْمُسَابَقَةِ، لِأَنَّهُ مَتَى بَانَ لَهُ سَبْقُ صَاحِبِهِ لَهُ فَسَخَهَا، وَتَرَكَ الْمُسَابِقَةَ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إذَا قُلْنَا: الْعَقْدُ جَائِزٌ. فَقِي جَوَازِ الْفَسْخِ مِنْ الْمَفْضُولِ وَجْهَانِ.

(7909) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا ; لِأَنَّهُ مَالٌ فِي عَقْدٍ فَكَانَ مَعْلُومًا، كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَيَكُونُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ، أَوْ بِالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، كَالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا، فَلَوْ قَالَ: إنْ نَضَلْتنِي فَلَكَ دِينَارٌ حَالٌّ، وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ بَعْدَ شَهْرٍ. جَازَ وَصَحَّ النِّضَالُ ; لِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا، كَالثَّمَنِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى صِفَةِ الْحِنْطَةِ بِمَا تَصِيرُ بِهِ مَعْلُومَةً.

(7910) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرْطَ أَنْ يُطْعِمَ السَّبَقَ أَصْحَابَهُ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى عَمَلٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ الْعَامِلِ، كَالْعِوَضِ فِي رَدِّ الْآبِقِ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَفْسُدُ. وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ لَا تَقِفُ صِحَّتُهُ عَلَى تَسْمِيَةِ بَدَلٍ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالنِّكَاحِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ فِي الْمُسَابَقَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، مَا يُخِلُّ بِشَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، نَحْوَ أَنْ يَعُودَ إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ، أَوْ الْمَسَافَةِ، وَنَحْوِهِمَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَصِحُّ مَعَ فَوَاتِ شَرْطِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت