وَالثَّانِيَةُ، إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْأَمَةِ. وَالثَّالِثَةُ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْحَائِضِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ. وَالرَّابِعَةُ، إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ. وَالْخَامِسَةُ، إبَاحَةُ ذَبْحِ مَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ. وَالسَّادِسَةُ، حِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَالسَّابِعَةُ، إبَاحَةُ ذَبْحِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ. وَيَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، فَإِنْ كَانَ طِفْلًا، أَوْ مَجْنُونًا، أَوْ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الذَّبْحُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعْتَبَرُ الْعَقْلُ. وَلَهُ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ الْمَجْنُونُ الْكَلْبَ عَلَى صَيْدٍ وَجْهَانِ. وَلَنَا، أَنَّ الذَّكَاةَ يُعْتَبَرُ لَهَا الْقَصْدُ، فَيُعْتَبَرُ لَهَا الْعَقْلُ، كَالْعِبَادَةِ، فَإِنَّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ، فَيَصِيرُ ذَبْحُهُ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْحَدِيدَةُ بِنَفْسِهَا عَلَى حَلْقِ شَاةٍ فَذَبَحَتْهَا. وَقَوْلُهُ: إذَا سَمَّوْا أَوْ نَسُوا التَّسْمِيَةَ. فَالتَّسْمِيَةُ مُشْتَرَطَةٌ فِي كُلِّ ذَابِحٍ مَعَ الْعَمْدِ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَإِنْ تَرَكَ الْكِتَابِيُّ التَّسْمِيَةَ عَنْ عَمْدٍ، أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمَكْحُولٌ: إذَا ذَبَحَ النَّصْرَانِيُّ بِاسْمِ الْمَسِيحِ حَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ لَنَا ذَبِيحَتَهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقُولُ ذَلِكَ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} .
وَقَوْلُهُ: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} وَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا مَا ذَبَحُوهُ بِشَرْطِهِ كَالْمُسْلِمِ. فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لَا ؟ أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لَا ؟ فَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا أَكْلَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّنَا لَا نَقِفُ عَلَى كُلِّ ذَابِحٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا ؟ قَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا} . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
(7775) فَصْلٌ: وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مِثْلَ كُلِّ ذِي ظُفْرٍ. قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْأَيْلُ وَالنَّعَامُ وَالْبَطُّ، وَمَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْأَصَابِعِ. أَوْ ذَبَحَ دَابَّةً لَهَا شَحْمٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ إبَاحَتُهُ ; فَإِنَّ أَحْمَدَ حَكَى عَنْ مَالِكٍ، فِي الْيَهُودِيِّ يَذْبَحُ الشَّاةَ، قَالَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ شَحْمِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مَذْهَبٌ دَقِيقٌ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ صَحِيحًا. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ، وَأَبِي الْخَطَّابِ. وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي، إلَى تَحْرِيمِهَا. وَحَكَاهُ التَّمِيمِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَوَّارٍ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ.
وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْبَهِيمَةِ، لَمْ يُبَحْ لِذَابِحِهَا، فَلَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِ، كَالدَّمِ. وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ {، قَالَ: دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ مِنْ قَصْرِ خَيْبَرَ، فَنَزَوْت لِآخُذَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ إلَيَّ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ أَبَاحَتْ اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ، فَأَبَاحَتْ الشَّحْمَ، كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ.
وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا ; فَإِنَّ مَعْنَى طَعَامِهِمْ ذَبَائِحُهُمْ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِمَا ذَبَحَهُ الْغَاصِبُ.