إحْدَاهَا، أَنَّهُ ذُكِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَحِلُّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَمْ يُذَكَّ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ; لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ ; مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ، فَحَرُمَ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جُرْحِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ، وَعَلَى الثَّانِي ضَمَانُ جَمِيعِهِ ; لِأَنَّ جُرْحَهُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَهُ، فَكَانَ جَمِيعُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثَةُ، قَدَرَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ، حَرُمَ لِمَعْنَيَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ تَرَكَ ذَكَاتَهُ مَعَ إمْكَانِهَا. وَالثَّانِي، أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ ; مُبِيحٍ، وَمُحَرِّمٍ، وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ الضَّمَانُ، وَفِي قَدْرِهِ احْتِمَالَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَضْمَنُ جَمِيعَهُ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ; لِإِيجَابِهِ الضَّمَانَ فِي مَسْأَلَتِهِ عَلَى الثَّالِثِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ رَمَاهُ الثَّالِثُ فَقَتَلَهُ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّ جُرْحَ الثَّانِي كَانَ مُوحِيًا لَا غَيْرُ.
الِاحْتِمَالُ الثَّانِي، أَنْ يَضْمَنَ الثَّانِي بِقِسْطِ جُرْحِهِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا تَرَكَ الذَّبْحَ مَعَ إمْكَانِهِ، صَارَ جُرْحُهُ حَاظِرًا أَيْضًا، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَرَدَ وَقَتَلَ الصَّيْدَ، فَيَكُونُ الضَّمَانُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي قِسْمَتِهِ عَلَيْهِمَا، أَنَّهُ يُقَسِّطُ أَرْشَ جُرْحِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتِهِ، ثُمَّ يُقْسَمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي صَيْدٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، نَقَصَهُ جُرْحُ الْأَوَّلِ دِرْهَمًا، وَنَقَصَهُ جُرْحُ الثَّانِي دِرْهَمًا، فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَيَكُونُ عَلَى الثَّانِي خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ; دِرْهَمٌ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَأَرْبَعَةٌ بِالسِّرَايَةِ، وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَوَّلِ وَهِيَ خَمْسَةٌ، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ جُرْحِ الثَّانِي دِرْهَمَيْنِ، لَزِمَاهُ، وَيَلْزَمُهُ نِصْفُ السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ، ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ، فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ، وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ.
وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُمَا عَلَى حَيَوَانٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِمَا، قُسِمَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ. وَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْجِنَايَتَيْنِ، مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ جَنَى عَلَيْهِ وَقِيمَتُهُ دُونَ قِيمَتِهِ يَوْمَ جَنَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي بَدَلِ النَّفْسِ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَرَدَ بِإِتْلَافِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ، وَتَسَاوَيَا فِي إتْلَافِ الْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ، فَتَسَاوَيَا فِي الضَّمَانِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي بَدَلِ النَّفْسِ الَّتِي لَا يَنْقُصُ بَدَلُهَا بِإِتْلَافِ بَعْضِهَا، وَهُوَ الْآدَمِيُّ، أَمَّا الْبَهَائِمُ، فَإِنَّهُ إذَا جَنَى عَلَيْهَا جِنَايَةً أَرْشُهَا دِرْهَمٌ، نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهَا، فَإِذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ، أَوْجَبْنَا مَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ النَّفْسِ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْأَرْشُ فِيهَا.
وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قِسْمَةِ الضَّمَانِ طُرُقًا سِتَّةً ; أَصَحُّهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَوَّلَ أَتْلَفَ نِصْفَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ، فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ، وَالثَّانِي أَتْلَفَ نِصْفَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا تِسْعَةٌ، فَيَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ تِسْعَةً وَنِصْفًا، وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، لِأَنَّهَا عَشَرَةٌ، فَتُقْسَمُ الْعَشَرَةُ عَلَى تِسْعَةٍ وَنِصْفٍ، فَيَسْقُطُ عَنْ الْأَوَّلِ مَا يُقَابِلُ أَرْبَعَةً وَنِصْفًا، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ نِصْفِ الصَّيْدِ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَاتُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ أَثْبَتَهُ، فَعَلَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشُ جُرْحِهِ، وَتُقْسَمُ السِّرَايَةِ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، وَإِنْ كَانَ الْمُثْبِتُ لَهُ هُوَ الثَّانِيَ، فَجُرْحُهُ الْأَوَّلُ هَدْرٌ لَا عِبْرَةَ بِهَا، وَالْحُكْمُ فِي جِرَاحَةَ الْآخَرِينَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى، الْأَوَّلُ أَتْلَفَ ثُلُثَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ، فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ وَالثَّانِي أَتْلَفَ ثُلُثَهَا، وَقِيمَتُهَا تِسْعَةٌ، فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ، وَالثَّالِثُ أَتْلَفَ ثُلُثَهَا، وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةٌ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ وَثُلُثَانِ، فَمَجْمُوعُ ذَلِكَ تِسْعَةٌ، تُقْسَمُ عَلَيْهَا الْعَشَرَةُ، حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُقَابِلُ مَا أَتْلَفَهُ.
وَإِنْ أَتْلَفُوا شَاةً مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِمْ ضَمِنُوهَا كَذَلِكَ.