وَلَنَا، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ"مَوْطِنَانِ لَا أُذْكَرُ فِيهِمَا ; عِنْدَ الذَّبِيحَةِ، وَالْعُطَاسِ". رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ، وَلِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَشْبَهَ الْمُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يُرْسِلَ الْجَارِحَةَ عَلَى الصَّيْدِ، فَإِنْ اسْتَرْسَلَتْ بِنَفْسِهَا فَقَتَلَتْ، لَمْ يُبَحْ. وَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُؤْكَلُ صَيْدُهُ إذَا أَخْرَجَهُ لِلصَّيْدِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: إذَا سَمَّى عِنْدَ انْفِلَاتِهِ، أُبِيحَ صَيْدُهُ.
وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكِلَابِ تَنْفَلِتُ مِنْ مَرَابِضِهَا فَتَصِيدُ الصَّيْدَ ؟ قَالَ: اُذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَكُلْ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: فَهَذَا الَّذِي أَخْتَارُ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ هُوَ إرْسَالَهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ الْخَلَّالُ: هَذَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك، وَسَمَّيْت، فَكُلْ} . وَلِأَنَّ إرْسَالَ الْجَارِحَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرْت التَّسْمِيَةُ مَعَهُ، وَإِنْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ فَسَمَّى صَاحِبُهُ وَزَجَرَهُ، فَزَادَ فِي عَدْوِهِ، أُبِيحَ صَيْدُهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُبَاحُ.
وَعَنْ عَطَاءٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ زَجْرَهُ أَثَّرَ فِي عَدْوِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ مَتَى انْضَافَ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، فَالِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَالَ الْكَلْبُ عَلَى إنْسَانٍ، فَأَغْرَاهُ إنْسَانٌ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَغْرَاهُ. وَإِنْ أَرْسَلَهُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، ثُمَّ سَمَّى وَزَجَرَهُ، فَزَادَ فِي عَدْوِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُبَاحُ ; فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَرْسَلَ، ثُمَّ سَمَّى فَانْزَجَرَ، أَوْ أَرْسَلَ وَسَمَّى، فَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنْ السَّوَاءِ. وَظَاهِرُ هَذَا الْإِبَاحَةُ ; لِأَنَّهُ انْزَجَرَ بِتَسْمِيَتِهِ وَزَجْرِهِ، فَأَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُبَاحُ صَيْدُهُ ; لِأَنَّ الْحَكَمَ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْسَالِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَظْرٌ وَلَا إبَاحَةٌ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ، أَنْ يَكُونَ الْجَارِحُ مُعَلَّمًا. وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} . وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ. وَيُعْتَبَرُ فِي تَعْلِيمِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ; إذَا أَرْسَلَهُ اسْتَرْسَلَ، وَإِذَا زَجَرَهُ انْزَجَرَ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ. وَيَتَكَرَّرُ هَذَا مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَصِيرَ مُعَلَّمًا فِي حُكْمِ الْعُرْفِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثٌ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ.
وَلَمْ يُقَدِّرْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَدَدَ الْمَرَّاتِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالتَّوْقِيفِ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا، بَلْ قَدْرُهُ بِمَا يَصِيرُ بِهِ فِي الْعُرْفِ مُعَلَّمًا. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ، صَارَ مُعَلَّمًا ; لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَحْصُلُ بِمَرَّتَيْنِ. وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ: يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ ; لِأَنَّهُ تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّكْرَارُ، كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ.
وَلَنَا أَنَّ تَرْكَهُ لِلْأَكْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِبَعٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِتَعَلُّمٍ، فَلَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّكْرَارِ، وَمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّكْرَارُ