فَصْلٌ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا دَخَلُوا فِي نَقْلِ مِيرَةٍ بِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةٌ، أُذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ عُشْرٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ دُخُولَهُمْ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَنَا، عُمُومُ مَا رَوَيْنَاهُ. وَرَوَى صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ النَّبَطِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ، وَمِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ، لِيَكْثُرَ الْحَمْلُ إلَى الْمَدِينَةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَلَهُ التَّرْكُ أَيْضًا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ.
(7683) فَصْلٌ: وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ حَرْبِيٍّ تَاجِرٍ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ ذِمِّيٍّ تَاجِرٍ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، أَوْ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ عُشْرٌ وَلَا نِصْفُ عُشْرٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَرْبِيَّةً أَوْ ذِمِّيَّةً، لَكِنْ إنْ دَخَلَتْ الْحِجَازَ عُشِرَتْ ; لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ. وَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْصِيلُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُهُ ; لِأَنَّهُ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ فِي أَمْوَالِ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ وَصِبْيَانِهِمْ، فَكَذَلِكَ يُوجِبُ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ فِي مَالِ النِّسَاءِ، وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا تَخْصِيصٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا بِجِزْيَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ يَخْتَصُّ بِمَالِ التِّجَارَةِ، لِتَوَسُّعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِفَاعِهِ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالزَّكَاةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
(7684) فَصْلٌ: وَلَا يُعْشَرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ. نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، أَنَّ الْحَرْبِيَّ يُعْشَرُ كَلَّمَا دَخَلَ إلَيْنَا. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّنَا لَوْ أَخَذْنَا مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَا نَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلُوا، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ السَّنَةِ الْأُخْرَى لَمْ يَدْخُلُوا، فَتَعَذَّرَ الْأَخْذُ مِنْهُمْ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْ التِّجَارَةِ، فَلَا يُؤْخَذُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ، كَالزَّكَاةِ، وَنِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ الذِّمِّيِّ.
وَقَوْلُهُمْ: يَفُوتُ. غَيْرُ صَحِيحٍ ; فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُ مَرَّةً، وَيَكْتُبُ الْآخِذُ لَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تَمْضِيَ تِلْكَ السَّنَةُ، فَإِذَا جَاءَ فِي الْعَامِ الثَّانِي، أُخِذَ مِنْهُ، فِي أَوَّلِ مَا يَدْخُلُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ، فَمَا فَاتَ مِنْ حَقِّ السَّنَةِ الْأُولَى شَيْءٌ.
(7685) فَصْلٌ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ جَاسُوسًا، أَوْ مُتَلَصِّصًا، فَيَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ، سُئِلَ، فَإِنْ قَالَ: جِئْت رَسُولًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ تَزَلْ الرُّسُلُ تَأْتِي مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ أَمَانٍ. وَإِنْ قَالَ: جِئْت تَاجِرًا. نَظَرْنَا ; فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ، قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا، وَحُقِنَ دَمُهُ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِدُخُولِ تُجَّارِهِمْ إلَيْنَا وَتُجَّارِنَا إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَتَّجِرُ بِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ; لِأَنَّ التِّجَارَةَ لَا تُحَصَّلُ بِغَيْرِ مَالٍ.
وَكَذَلِكَ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رِسَالَةٌ يُؤَدِّيهَا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ رَسُولًا. وَإِنْ قَالَ: أَمَّنَنِي مُسْلِمٌ. فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، يُقْبَلُ، تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ، كَمَا يُقْبَلُ مِنْ الرَّسُولِ وَالتَّاجِرِ. وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مُمْكِنَةٌ. فَإِنْ قَالَ: مُسْلِمٌ: أَنَا أَمَّنْته. قُبِلَ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ، كَالْحَاكِمِ إذَا قَالَ: حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ