وَلَا تُؤْخَذُ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا. فَأَمَّا مَصْرِفُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ ; لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ، وَلِأَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَصْرِفُهُ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ ; لِأَنَّهُ مُسَمًّى بِاسْمِ الصَّدَقَةِ مَسْلُوكٌ بِهِ فِي مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ - مَسْلَكُ الصَّدَقَةِ، فَيَكُونُ مَصْرِفُهُ مَصْرِفَهَا. وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ ; لِأَنَّ مَعْنَى الشَّيْءِ أَخَصُّ بِهِ مِنْ اسْمِهِ، وَلِهَذَا لَوْ سُمِّيَ رَجُلٌ أَسَدًا، أَوْ نَمِرًا، أَوْ أَسْوَدَ، أَوْ أَحْمَرَ، لَمْ يَصِرْ لَهُ حُكْمُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ صَدَقَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَجَازَ دَفْعُهَا إلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ} .
(7671) فَصْلٌ: فَإِنْ بَذَلَ التَّغْلِبِيُّ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ، وَتُحَطُّ عَنْهُ الصَّدَقَةُ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى هَذَا، فَلَا يُغَيَّرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} . وَهَذَا قَدْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ، وَإِنْ كَانَ بَاذِلُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ حَرْبِيًّا، قُبِلَتْ مِنْهُ ; لِلْآيَةِ، وَخَبَرِ بُرَيْدَةَ: {اُدْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوك، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ} .
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صُلْحِ الْأَوَّلِينَ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ، وَهُوَ كِتَابِيٌّ بَاذِلٌ لِلْجِزْيَةِ، فَيُحْقَنُ بِهَا دَمُهُ. وَإِنْ أَرَادَ إمَامٌ نَقْضَ صُلْحِهِمْ، وَتَجْدِيدَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ كَفِعْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَقَدْ عَقَدَهُ مَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ مَا دَامُوا عَلَى الْعَهْدِ.
(7672) فَصْلٌ: فَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَالْجِزْيَةُ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُونَ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ. نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: وَنَذْهَبُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَوَاشِي بَنِي تَغْلِبَ خَاصَّةً الصَّدَقَةَ، وَنُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّ حُكْمَ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ، أَوْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ وَحِمْيَرَ، أَوْ تَمَجَّسَ مِنْ تَمِيمٍ، حُكْمُ بَنِي تَغْلِبَ، سَوَاءً. وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ. نَصَّ عَلَيْهِ، فِي تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ الْعَرَبِ، فَأَشْبَهُوا بَنِي تَغْلِبَ.
وَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: {خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا} . وَهُمْ عَرَبٌ. وَقَبِلَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، وَهُمْ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ، وَكَانُوا نَصَارَى. وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرَ دُومَةَ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ. وَحُكْمُ الْجِزْيَةِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فِي كُلِّ كِتَابِيٍّ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، إلَّا مَا خُصَّ بِهِبَنُو تَغْلِبَ، لِمُصَالَحَةِ عُمَرَ إيَّاهُمْ، فَفِي مَا عَدَاهُمْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ وَشَوَاهِدِ السُّنَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ صُلْحٌ كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ، فِيمَا بَلَغَنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ عَلَيْهِمْ ; لِوُجُوهٍ ; أَحَدُهَا، أَنَّ قِيَاسَ سَائِرِ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ يُخَالِفُ النُّصُوصَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ النَّصِّ.