فهرس الكتاب

الصفحة 3306 من 3896

الْأَلْسِنَةَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَا تَخَفْ فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: لَا تَذْهَلْ. فَقَدْ أَمَّنَهُ. فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ.

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ: تَكَلَّمْ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْك. فَلَمَّا تَكَلَّمَ، أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَيْسَ لَك إلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، قَدْ أَمَّنْته فَقَالَ عُمَرُ كَلًّا، فَقَالَ الزُّبَيْرُ قَدْ قُلْت لَهُ: تَكَلَّمْ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْك فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ الْقَتْلَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ.

وَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ: قُمْ، أَوْ قِفْ، أَوْ أَلْقِ سِلَاحَك. فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ أَمَانٌ أَيْضًا، لِأَنَّ الْكَافِرَ يَعْتَقِدُ هَذَا أَمَانًا، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ: أَمَّنْتُك وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ ادَّعَى الْكَافِرُ أَنَّهُ آمِنٌ، أَوْ قَالَ: إنَّمَا وَقَفْت لِنِدَائِك فَهُوَ آمِنٌ، إنْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ..

وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَمَانٍ، لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يُشْعِرُ بِهِ، وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِرْهَابِ وَالتَّخْوِيفِ، فَلَمْ يَكُنْ أَمَانًا، لِقَوْلِهِ: لَأَقْتُلَنَّك لَكِنْ يُرْجَعُ إلَى الْقَائِلِ، فَإِنْ قَالَ: نَوَيْت بِهِ الْأَمَانَ. فَهُوَ أَمَانٌ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَرُدُّ أَمَانَهُ. نَظَرْنَا فِي الْكَافِرِ، فَإِنْ قَالَ: اعْتَقَدْته أَمَانًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ، وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ أَمَانًا فَلَيْسَ بِأَمَانٍ، كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِمَا اعْتَقَدُوهُ أَمَانًا.

(7631) فَصْلٌ: فَإِنْ أَشَارَ الْمُسْلِمُ إلَيْهِمْ بِمَا يَرَوْنَهُ أَمَانًا وَقَالَ: أَرَدْت بِهِ الْأَمَانَ فَهُوَ أَمَانٌ وَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْأَمَانَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ حِصْنِهِمْ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ، وَلَكِنْ يَرُدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ.

قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إلَى السَّمَاءِ إلَى مُشْرِكٍ، فَنَزَلَ بِأَمَانِهِ، فَقَتَلَهُ، لَقَتَلْته بِهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَإِنْ مَاتَ الْمُسْلِمُ أَوْ غَابَ، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ صَحَّحْتُمْ الْأَمَانَ بِالْإِشَارَةِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ؟ قُلْنَا: تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، كَمَا حُقِنَ دَمُ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ، تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ، وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ فِي الْغَالِبِ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَهُمْ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّكْلِيمِ بِالْإِشَارَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ

(7632) فَصْلٌ: إذَا سُبِيَتْ كَافِرَةٌ، فَجَاءَ ابْنُهَا يَطْلُبُهَا، وَقَالَ: إنَّ عِنْدِي أَسِيرًا مُسْلِمًا فَأَطْلِقُوهَا حَتَّى أُحْضِرَهُ. فَقَالَ الْإِمَامُ: أَحْضِرْهُ فَأَحْضَرَهُ، لَزِمَ إطْلَاقُهَا لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا إجَابَتُهُ إلَى مَا سَأَلَ وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: لَمْ أُرِدْ إجَابَتَهُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَرْكِ أَسِيرِهِ، وَرُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ.

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُطْلَقُ الْأَسِيرُ، وَلَا تُطْلَقُ الْمُشْرِكَةُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ حُرٌّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِمَمْلُوكَةٍ وَيُقَالُ لَهُ: إنْ اخْتَرْت شِرَاءَهَا، فَأْتِ بِثَمَنِهَا وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ الشَّرْطُ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَبَنَى عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَهِمَ الْأَمَانَ مِنْ الْإِشَارَةِ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحُرَّ لَا يَكُونُ ثَمَنَ مَمْلُوكَةٍ.

قُلْنَا: لَكِنْ يَصِحُّ أَنْ يُفَادَى بِهَا، فَقَدْ فَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَسِيرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفَادَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَسِيرٍ مِنْ الْكُفَّارِ، وَوَفَّى لَهُمْ بِرَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا، وَقَالَ {: إنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ} وَإِنْ كَانَ رَدُّ الْمُسْلِمِ إلَيْهِمْ لَيْسَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت