فهرس الكتاب

الصفحة 3290 من 3896

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ الْكُفَّارُ فِي طَلَبِهِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ عَلِمْت مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَك فَرَجًا وَمَخْرَجًا. فَلَمَّا رَجَعَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ، قَتَلَ أَحَدَهُمَا فِي طَرِيقِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَك، قَدْ رَدَدْتنِي إلَيْهِمْ، فَأَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ. فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَلُمْهُ، بَلْ قَالَ: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أَبُو بَصِيرٍ، لَحِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، وَانْحَازَ إلَيْهِ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، فَجَعَلُوا لَا تَمُرُّ عَلَيْهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ إلَّا عَرَضُوا لَهَا، فَأَخَذُوهَا، وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهَا، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ، إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، أَنْ يَضُمَّهُمْ إلَيْهِ، وَلَا يَرُدُّ إلَيْهِمْ أَحَدًا جَاءَهُ، فَفَعَلَ. فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ أَنْ يَتَحَيَّزُوا نَاحِيَةً، وَيَقْتُلُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفَّارِ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ، وَلَا يَدْخُلُونَ فِي الصُّلْحِ.

وَإِنْ ضَمَّهُمْ الْإِمَامُ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْكُفَّارِ، دَخَلُوا فِي الصُّلْحِ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ الْكُفَّارِ وَأَمْوَالُهُمْ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ إلَى النَّبِيِّ هَارِبًا مِنْ الْكُفَّارِ، يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، قَامَ إلَيْهِ أَبُوهُ فَلَطَمَهُ، وَجَعَلَ يَرُدُّهُ، قَالَ عُمَرُ: فَقُمْت إلَى جَانِبِ أَبِي جَنْدَلٍ، فَقُلْت: إنَّهُمْ الْكُفَّارُ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ. وَجَعَلْت أُدْنِي مِنْهُ قَائِمَ السَّيْفِ لَعَلَّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ، قَالَ: فَضَنَّ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ.

الثَّانِي، شَرْطٌ فَاسِدٌ، مِثْل أَنْ يَشْتَرِطَ رَدَّ النِّسَاءِ، أَوْ مُهُورِهِنَّ، أَوْ رَدَّ سِلَاحِهِمْ، أَوْ إعْطَاءَهُمْ شَيْئًا مِنْ سِلَاحِنَا، أَوْ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ، أَوْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ مَالًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ، أَوْ يَشْتَرِطَ نَقْضَهَا مَتَى شَاءُوا، أَوْ أَنَّ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ نَقْضًا، أَوْ يَشْتَرِطَ رَدَّ الصِّبْيَانِ، أَوْ رَدَّ الرِّجَالِ، مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.

فَهَذِهِ كُلُّهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ، لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهَا. وَهَلْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ، إلَّا فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَقْضَهَا مَتَى شَاءَ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ طَائِفَةَ الْكُفَّارِ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَلَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْهُمْ، وَلَا أَمْنُهُمْ مِنَّا، فَيَفُوتُ مَعْنَى الْهُدْنَةِ. وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ شَرْطُ رَدِّ النِّسَاءِ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} إلَى قَوْلِهِ: {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ اللَّهَ مَنَعَ الصُّلْحَ فِي النِّسَاءِ} .

وَتُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ; أَحَدُهَا أَنَّهَا لَا تَأْمَنُ مِنْ أَنْ تُزَوَّجَ كَافِرًا يَسْتَحِلُّهَا، أَوْ يُكْرِهُهَا مَنْ يَنَالُهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} . الثَّانِي، أَنَّهَا رُبَّمَا فُتِنَتْ عَنْ دِينِهَا ; لِأَنَّهَا أَضْعَفُ قَلْبًا، وَأَقَلُّ مَعْرِفَةً مِنْ الرَّجُلِ. الثَّالِثُ، أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُمْكِنُهَا فِي الْعَادَةِ الْهَرَبُ وَالتَّخَلُّصُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ.

وَلَا يَجُوزُ رَدُّ الصِّبْيَانِ الْعُقَلَاءِ إذَا جَاءُوا مُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ فِي الضَّعْفِ فِي الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْعَجْزِ عَنْ التَّخَلُّصِ وَالْهَرَبِ. فَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ، فَيَجُوزُ رَدُّهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ.

(7598) فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَبَتْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيَّةٌ مُسْلِمَةٌ، الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِ الْكُفَّارِ، جَازَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ إخْرَاجُهَا ; لِمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت