فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 3896

عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا. وَإِنْ صَلَّى الْعُرْيَانُ قَائِمًا، وَرَكَعَ وَسَجَدَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَقُعُودًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ قِيَامًا وَقُعُودًا ; فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْعُرَاةِ: يَقُومُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ. وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، إنْ تَوَارَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَصَلَّوْا قِيَامًا، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ لَهُ: فَيُومِئُونَ أَوْ يَسْجُدُونَ ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، السُّجُودُ لَا بُدَّ مِنْهُ.

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُومِئُ بِالسُّجُودِ فِي حَالٍ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْخَلْوَةِ الْقِيَامُ، إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ قَالَ: هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْ الْأَثْرَمِ. قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: يَقُومُ وَسَطَهُمْ. أَيْ يَكُونُ وَسَطَهُمْ، لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْقِيَامِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَنْبَغِي لِمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أَنْ يَضُمَّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَيَسْتُرَ مَا أَمْكَنَ سَتْرُهُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَتَرَبَّعُونَ أَوْ يَتَضَامُّونَ ؟ قَالَ: لَا بَلْ يَتَضَامُّونَ. وَإِذَا قُلْنَا: يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ. فَإِنَّهُمْ يَتَضَامُّونَ أَيْضًا. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ مَوْضِعَ الْقِيَامِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

(823) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَدَ الْعُرْيَانُ جِلْدًا طَاهِرًا، أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عَلَيْهِ، أَوْ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْبِطَهُ عَلَيْهِ فَيَسْتُرَ بِهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِطَاهِرٍ لَا يَضُرُّهُ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِهَا بِثَوْبٍ، وَقَدْ {سَتَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْلَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ بِالْإِذْخِرِ} لَمَّا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً. فَإِنْ وَجَدَ طِينًا يَطْلِي بِهِ جَسَدَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِفُّ وَيَتَنَاثَرُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَلَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ جَسَدَهُ وَمَا تَنَاثَرَ سَقَطَ حُكْمُهُ، وَيَسْتَتِرُ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.

وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةً، وَيَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ السَّتْرِ، فَإِنْ وَجَدَ مَاءً لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كَدِرًا، لِأَنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا، وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ حُفْرَةً لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فِيهَا ; لِأَنَّهَا لَا تَلْصَقُ بِجِلْدِهِ، فَهِيَ كَالْجِدَارِ. وَإِنْ وَجَدَ سُتْرَةً تَضُرُّ بِجِسْمِهِ كَبَارِيَّةِ الْقَصَبِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا يَدْخُلُ فِي جِسْمِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِتَارُ بِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَنْعِ مِنْ إكْمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.

(824) فَصْلٌ: وَإِذَا بُذِلَ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. وَإِنْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةً. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْعَارَ فِي بَقَاءِ عَوْرَتِهِ مَكْشُوفَةً أَكْبَرُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمِنَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ. وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ ثَوْبًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، وَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعِوَضِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا قُلْنَا فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ.

(825) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا، قَالَ أَحْمَدُ: يُصَلِّي فِيهِ، وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْمُزَنِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يُصَلِّي عُرْيَانًا، وَلَا يُعِيدُ ; لِأَنَّهَا سُتْرَةٌ نَجِسَةٌ، فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ جَمِيعُهُ نَجِسًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِعْلَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي كِلَا الْفِعْلَيْنِ، وَفِعْلِ وَاجِبٍ، فَاسْتَوَيَا.

وَلَنَا أَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ جَالِسًا، فَكَانَ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {غَطِّ فَخِذَك} . وَهَذَا عَامٌّ، وَلِأَنَّ السُّتْرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَى اشْتِرَاطِهَا، وَالطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَكَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى.

وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا إذَا انْفَرَدَ أَنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ ; لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ قَدْ فَاتَتْ. وَقَدْ نَصَّ فِي مَنْ صَلَّى فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت