فهرس الكتاب

الصفحة 3277 من 3896

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَمِيرَ إذَا بَاعَ مِنْ الْمَغْنَمِ شَيْئًا قَبْلَ قَسَمَهُ لِمَصْلَحَةٍ، صَحَّ بَيْعُهُ، فَإِنْ عَادَ الْكُفَّارُ، فَغَلَبُوا عَلَى الْمَبِيعِ، فَأَخَذُوهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، نَظَرْنَا ; فَإِنْ كَانَ لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْمُشْتَرِي، مِثْلُ أَنْ خَرَجَ بِهِ مِنْ الْمُعَسْكَرِ، وَنَحْو ذَلِكَ، فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَهَابَهُ حَصَلَ بِتَفْرِيطِهِ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ، وَإِنْ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، وَيَكُونُ مِنْ ضَمَانِ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمُشْتَرِي، سَقَطَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ أُخِذَ مِنْهُ، رُدَّ إلَيْهِ ; لِأَنَّ الْقَبْضَ لَمْ يَكْمُلْ، لِكَوْنِ الْمَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ غَيْرَ مُحْرِزٍ، وَكَوْنِهِ عَلَى خَطَرٍ مِنْ الْعَدُوِّ، فَأَشْبَهَ التَّمْرَ الْمَبِيعَ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ الْجُذَاذِ.

وَالثَّانِيَةُ، هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ. وَهَذَا أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ صَاحِبُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ مَالٌ مَقْبُوضٌ، أُبِيحَ لِمُشْتَرِيهِ، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أُحْرِزَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعَدُوِّ لَهُ تَلَفٌ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ الْبَائِعُ، كَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّلَفِ، وَلِأَنَّ نَمَاءَهُ لِلْمُشْتَرِي، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ} .

(7570) فَصْلٌ: وَإِذَا قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، جَازَ لِمَنْ أَخَذَ سَهْمَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ بَاعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا شَيْئًا مِنْهَا، فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، فَفِي ضَمَانِ الْبَائِعِ لَهُ وَجْهَانِ ; بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

وَإِنْ اشْتَرَاهُ مُشْتَرٍ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَكَذَلِكَ، فَإِذَا قُلْنَا: هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ، بِمَا رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ.

(7571) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ مِنْ الْمَغْنَمِ، مَعَهَا الْحُلِيُّ فِي عُنُقِهَا وَالثِّيَابُ: يَرُدُّ ذَلِكَ فِي الْمَغْنَمِ، إلَّا شَيْئًا تَلْبَسُهُ، مِنْ قَمِيصٍ وَمِقْنَعَةٍ وَإِزَارٍ. وَهَذَا قَوْلُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَمَكْحُولٍ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، وَالْمُتَوَكِّلِ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَيُشْبِهُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ.

وَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ} . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَكَانَ مَالِكٌ يُرَخِّصُ فِي الْيَسِيرِ، كَالْقُرْطَيْنِ وَأَشْبَاهِهِمَا، وَلَا يَرَى ذَلِكَ فِي الْكَثِيرِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَصَّلَ الْقَوْلُ فِي هَذَا، فَيُقَالُ: مَا كَانَ عَلَيْهَا ظَاهِرًا مَرْئِيًّا، يُشَاهِدُهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، كَالْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ وَالْقِلَادَةِ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا بَاعَهَا بِمَا عَلَيْهَا، وَالْمُشْتَرِيَ اشْتَرَاهَا بِذَلِكَ، فَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ، وَمَا خَفِيَ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ، رَدَّهُ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَيْهَا بِدُونِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ، كَجَارِيَةٍ أُخْرَى. (7572) .

فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَغْنَمِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ يُحَابَى، وَلِأَنَّ عُمَرَ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ فِي غَزْوَةِ جَلُولَاءَ، وَقَالَ: إنَّهُ يُحَابَى. احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهُ هُوَ الْبَائِعُ أَوْ وَكِيلُهُ، فَكَأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِ نَفْسِهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إذَا قَوَّمَ أَصْحَابُ الْمَغَانِمِ شَيْئًا مَعْرُوفًا، فَقَالُوا فِي جُلُودِ الْمَاعِزِ بِكَذَا. وَالْخِرْفَانِ بِكَذَا. يَحْتَاجُ إلَيْهِ، يَأْخُذُهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ، وَلَا يَأْتِي الْمَغَانِمَ ؟ فَرَخَّصَ فِيهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاسْتِئْذَانُ فِيهِ، فَسُومِحَ فِيهِ، كَمَا سُومِحَ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ، وَرُكُوبِ سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ، مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت