وَلَنَا عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِهِمْ. فَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ حُكْمٌ، فَلَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ، كَالْمَجْنُونِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَصِحُّ أَمَانُهُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَصِحُّ أَمَانُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وَحَمَلَ رِوَايَةَ الْمَنْعِ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُمَيِّزٌ، فَصَحَّ أَمَانُهُ، كَالْبَالِغِ، وَفَارَقَ الْمَجْنُونَ، فَإِنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ أَصْلًا.
(7480) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ كَافِرٍ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ.} فَجَعَلَ الذِّمَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا تَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ مَجْنُونٍ، وَلَا طِفْلٍ، لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ زَائِلِ الْعَقْلِ، بِنَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ إغْمَاءٍ ; لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا، فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
وَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَالْإِقْرَارِ.
(7481) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ أُقِيمَ بِإِزَائِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ، فَهُوَ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلْوَاحِدِ، وَالْعَشَرَةِ، وَالْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْحِصْنِ الصَّغِيرِ ; لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ الَّذِي ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ. وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ، وَرُسْتَاقٍ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ.
(7482) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا، قَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْك، ثُمَّ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: قَدْ أَمَّنْته، فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهِ. وَشَهِدَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ، فَعَدُّوهُ أَمَانًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ الْمَنَّ عَلَيْهِ، وَالْأَمَانُ دُونَ ذَلِكَ. فَأَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ ; لِأَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بَعْدَ أَسْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانَهَا. وَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيُّ. وَلَنَا، أَنَّ أَمْرَ الْأَسِيرِ مُفَوَّضٌ إلَى الْإِمَامِ، فَلَمْ يَجُزْ الِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ، كَقَتْلِهِ.
وَحَدِيثُ زَيْنَبَ فِي أَمَانِهَا، إنَّمَا صَحَّ بِإِجَازَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(7483) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ لِلْأَسِيرِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ، قُبِلَ، إذَا كَانُوا بِصِفَةِ الشُّهُودِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ; لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ. وَلَنَا، أَنَّهُمْ عُدُولٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، غَيْرُ مُتَّهَمِينَ، شَهِدُوا بِأَمَانِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى غَيْرِهِمْ أَنَّهُ أَمَّنَهُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ شَهَادَةَ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِهَا، فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ. وَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنِّي