فهرس الكتاب

الصفحة 3228 من 3896

وَأَبِي عَزَّةَ الشَّاعِرِ، وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَقَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأَلَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَأَطْلَقْتهمْ لَهُ. وَفَادَى أُسَارَى بَدْرٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةٍ، وَفَادَى يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ، وَصَاحِبَ الْعَضْبَاءِ بِرَجُلَيْنِ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ ; فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ وَالسَّبْعِمِائَةِ، وَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، صَبْرًا، وَقَتَلَ أَبَا عَزَّةَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهَذِهِ قَصَصٌ عَمَّتْ وَاشْتَهَرَتْ، وَفَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهَا.

وَلِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ قَدْ تَكُونُ أَصْلَحَ فِي بَعْضِ الْأَسْرَى، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَبَقَاؤُهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، فَقَتْلُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَفِدَاؤُهُ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ، يُرْجَى إسْلَامُهُ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ، أَوْ مَعُونَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَخْلِيصِ أَسْرَاهُمْ، وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، فَاسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَالْإِمَامُ أَعْلَمُ بِالْمَصْلَحَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوَّضَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وقَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} عَامٌّ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ، بَلْ يَنْزِلُ عَلَى مَا عَدَا الْمَخْصُوصَ، وَلِهَذَا لَمْ يُحَرِّمُوا اسْتِرْقَاقَهُ، فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، فَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ.

وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ فِي الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ. وَلَنَا، أَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَلَمْ يُقَرّ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَالْمُرْتَدِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٍ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ، فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا، وَمَتَى تَرَدَّدَ فِيهَا، فَالْقَتْلُ أَوْلَى.

قَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَمِيرَيْنِ ; أَحَدُهُمَا يَقْتُلُ الْأَسْرَى: وَهُوَ أَفْضَلُ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: الْإِثْخَانُ أَحَبُّ إلَيَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا يَطْمَعُ بِهِ فِي الْكَثِيرِ.

(7452) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ صَارَ رَقِيقًا فِي الْحَالِ، وَزَالَ التَّخْيِيرُ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ النِّسَاءِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَفِي الْآخَرِ يَسْقُطُ الْقَتْلُ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ

لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ عَلَامَ أُخِذْت وَأَخَذْت سَابِقَةُ الْحَاجِّ ; فَقَالَ: أُخِذْت بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك مِنْ ثَقِيفٍ، فَقَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِي. فَمَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ لَهُ: مَا شَأْنُك ؟ فَقَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالَ: {لَوْ قُلْتهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك لَأَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ. وَفَادَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَيْنِ} ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ سَقَطَ الْقَتْلُ بِإِسْلَامِهِ، فَبَقِيَ بَاقِي الْخِصَالِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، فَصَارَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ، وَالْحَدِيثُ لَا يُنَافِي رِقَّهُ، فَقَدْ يُفَادَى بِالْمَرْأَةِ وَهِيَ رَقِيقٌ، كَمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَنَفَلَهُ امْرَأَةً، فَوَهَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ بِهَا إلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي أَيْدِيهمْ أُسَارَى، فَفَدَاهُمْ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ. إلَّا أَنَّهُ لَا يُفَادَى بِهِ، وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، إلَّا بِإِذْنِ الْغَانِمِينَ ; لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُمْ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الْمَنُّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَيْهِ، مَعَ كُفْرِهِ، فَمَعَ إسْلَامِهِ أَوْلَى، لِكَوْنِ الْإِسْلَامِ حَسَنَةً يَقْتَضِي إكْرَامَهُ، وَالْإِنْعَامَ عَلَيْهِ، لَا مَنْعَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ. وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الْكُفَّارِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ عَشِيرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت