وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْغَزْوِ، لَمْ يَخْلُ ; إمَّا أَنْ يُعْطَى لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا، فَإِنْ أُعْطِيَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا، فَمَا فَضَلَ بَعْدَ الْغَزْوِ فَهُوَ لَهُ. هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أُعْطِيَ شَيْئًا فِي الْغَزْوِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: إذَا بَلَغْت وَادِي الْقُرَى فَشَأْنَك بِهِ. وَلِأَنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ، فَكَانَ الْفَاضِلُ لَهُ، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ حَجَّةً بِأَلْفٍ. وَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا لِيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا، فَفَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ، أَنْفَقَهُ فِي غَزَاةٍ أُخْرَى ; لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَمِيعَ لِيُنْفِقَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ، فَلَزِمَهُ إنْفَاقُ الْجَمِيعِ فِيهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ.
(7448) فَصْلٌ: وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَتْرُكُ لِأَهْلِهِ مِنْهُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْلِكُهُ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ، فَيَكُونَ كَهَيْئَةِ مَالِهِ، فَيَبْعَثَ إلَى عِيَالِهِ مِنْهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ، لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ عَنْ الْغَزْوِ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِمَا أَنْفَقَهُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلَاحًا، أَوْ آلَةَ الْغَزْوِ، فَإِنْ قَصَدَ إعْطَاءَهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَتَّخِذُ مِنْهُ سُفْرَةً فِيهَا طَعَامٌ، فَيُطْعِمَ مِنْهَا أَحَدًا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أُعْطِيَهَا لِيُنْفِقَهَا فِي جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ الْجِهَادُ.
(7449) مَسْأَلَةٌ: (وَإِذَا حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ، فَإِذَا رَجَعَ مِنْ الْغَزْوِ فَهِيَ لَهُ. إلَّا أَنْ يَقُولَ: هِيَ حَبِيسٌ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ إلَّا أَنْ تَصِيرَ فِي حَالٍ لَا تَصْلُحُ فِيهِ لِلْغَزْوِ، فَتُبَاعَ، وَتُجْعَلَ فِي حَبِيسٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا ضَاقَ بِأَهْلِهِ، أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، جَازَ أَنْ يُبَاعَ، وَيُجْعَلَ فِي مَكَان يُنْتَفَعُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةَ إذَا أَبْدَلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا)
قَوْلُهُ: حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ. يَعْنِي أُعْطِيَهَا لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا، فَإِذَا غَزَا عَلَيْهَا، مَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُ النَّفَقَةَ الْمَدْفُوعَةَ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ عَارِيَّةً، فَتَكُونَ لِصَاحِبِهَا، أَوْ حَبِيسًا فَتَكُونَ حَبِيسًا بِحَالِهِ. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: {لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ، لَوْلَا ذَلِكَ مَا بَاعَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ بَعْدَ الْغَزْوِ ; لِأَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَهُ مِنْ عُمَرَ، ثُمَّ يُقِيمَهُ لِلْبَيْعِ فِي الْحَالِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بَعْدَ غَزْوِهِ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ أَحْمَدُ نَحْوًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ. وَسُئِلَ: مَتَى يَطِيبُ لَهُ الْفَرَسُ ؟ قَالَ: إذَا غَزَا عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ الْعَدُوَّ جَاءَنَا فَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فِي الطَّلَبِ إلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ ثُمَّ رَجَعَ.
قَالَ: لَا، حَتَّى يَكُونَ غَزْوٌ. قِيلَ لَهُ: فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: إذَا بَلَغْت وَادِي الْقُرَى، فَشَأْنُك بِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ، وَرَأَى أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا غَزَا عَلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ. وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا يَقُولُ: إنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي مَكَانِهِ.
وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى أَنْ يُنْتَفَعَ بِثَمَنِهِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: شَأْنَك بِهِ مَا أَرَدْت.