اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، لِيَثْبُتَ التَّحْرِيمُ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، تَغْلِيبًا لَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ.
(7438) مَسْأَلَةٌ: (وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ، أَنْ يَنْفِرُوا ; الْمُقِلُّ مِنْهُمْ، وَالْمُكْثِرُ، وَلَا يَخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ غَالِبٌ يَخَافُونَ كَلَبَهُ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ)
قَوْلُهُ: الْمُقِلُّ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ. يَعْنِي بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، أَيْ مُقِلٌّ مِنْ الْمَالِ وَمُكْثِرٌ مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ، مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، حِينَ الْحَاجَةِ إلَى نَفِيرِهِمْ ; لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ.
وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ، إلَّا مَنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ ; وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا} .
وَلِأَنَّهُمْ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ، صَارَ الْجِهَادُ عَلَيْهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ فَوَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ; لِأَنَّ أَمْرَ الْحَرْبِ مَوْكُولٌ إلَيْهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ، وَمَكَامِنِ الْعَدُوِّ وَكَيْدِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إلَى رَأْيِهِ، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْمُسْلِمِينَ ; إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ لِمُفَاجَأَةِ عَدُوِّهِمْ لَهُمْ، فَلَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَتَعَيَّنُ فِي قِتَالِهِمْ وَالْخُرُوجِ إلَيْهِ، لِتَعَيُّنِ الْفَسَادِ فِي تَرْكِهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ خَارِجًا مِنْ الْمَدِينَةِ، تَبِعَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ، مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ. وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ.
(7439) فَصْلٌ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْإِمَامِ إذَا غَضِبَ عَلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: اُخْرُجْ، عَلَيْك أَنْ لَا تَصْحَبَنِي. فَنَادَى بِالنَّفِيرِ، يَكُونُ إذْنًا لَهُ ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا قَصَدَ لَهُ وَحْدَهُ، فَلَا يَصْحَبُهُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ. قَالَ: وَإِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالنَّفِيرِ، فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ بِالْبُعْدِ، إنَّمَا جَاءَهُمْ طَلِيعَةٌ لِلْعَدُوِّ، صَلَّوْا وَنَفَرُوا إلَيْهِمْ، وَإِذَا اسْتَغَاثُوا بِهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ الْعَدُوُّ، أَغَاثُوا وَنَصَرُوا وَصَلَّوْا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّهِمْ وَيُومِئُونَ، وَالْغِيَاثُ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَالطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ وَهُوَ يَسِيرُ أَفْضَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا سَمِعَ النَّفِيرَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، يُصَلِّي، وَيُخَفِّفُ، وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيَقْرَأُ بِسُوَرٍ قِصَارٍ.
وَقَدْ نَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ - يَعْنِي غَسِيلَ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ - قَالَ: وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِيهَا، وَإِذَا جَاءَ النَّفِيرُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَا تَرَى أَنْ يَنْفِرُوا ؟ قَالَ: وَلَا تَنْفِرُ الْخَيْلُ إلَّا عَلَى حَقِيقَةٍ، وَلَا تَنْفِرُ عَلَى الْغُلَامِ إذَا أَبَقَ إذَا أَنْفَرُوهُمْ، فَلَا يَكُونُ هَلَاكُ النَّاسِ بِسَبَبِ غُلَامٍ، وَإِذَا نَادَى الْإِمَامُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. لِأَمْرٍ يَحْدُثُ، فَيُشَاوِرُ فِيهِ، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ إلَّا مِنْ عُذْرٍ.
(7440) مَسْأَلَةٌ: (وَلَا يَدْخُلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النِّسَاءِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ، لِسَقْيِ الْمَاءِ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُ النِّسَاءِ الشَّوَابِّ أَرْضَ الْعَدُوِّ ; لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَقَلَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِنَّ فِيهِ، لِاسْتِيلَاءِ