(7421) فَصْلٌ: وَلَا يَسْتَصْحِبُ الْأَمِيرُ مَعَهُ مُخَذِّلًا، وَهُوَ الَّذِي يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنْ الْغَزْوِ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ وَالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: الْحَرُّ أَوْ الْبُرْدُ شَدِيدٌ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، وَلَا تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هَذَا الْجَيْشِ.
وَأَشْبَاهَ هَذَا، وَلَا مُرْجِفًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَالَهُمْ مَدَدٌ، وَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ، وَالْكُفَّارُ لَهُمْ قُوَّةٌ، وَمَدَدٌ، وَصَبْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ أَحَدٌ. وَنَحْوَ هَذَا، وَلَا مَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ، وَإِطْلَاعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُكَاتَبَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ، وَدَلَالَتِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ، أَوْ إيوَاءِ جَوَاسِيسِهِمْ. وَلَا مَنْ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ ; لِقَوْلِ اللَّهَ تَعَالَى {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ} .
وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْزَمُهُ مَنْعُهُمْ. وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ، لَمْ يُسْهِمْ لَهُ وَلَمْ يَرْضَخْ وَإِنْ أَظْهَرَ عَوْنَ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَهُ نِفَاقًا، وَقَدْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ، فَيَكُونُ مُجَرَّدَ ضَرَرٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا غَنِمُوا شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ أَحَدَ هَؤُلَاءِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ ; لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ خُرُوجُهُ تَبَعًا، فَمَتْبُوعًا أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْمَضَرَّةُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ.
(7422) : (وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَدُوِّ) . الْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَكْثَرُ ضَرَرًا، وَفِي قِتَالِهِ دَفْعُ ضَرَرِهِ عَنْ الْمُقَابِلِ لَهُ، وَعَمَّنْ وَرَاءَهُ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْبَعِيدِ عَنْهُ، يُمَكِّنُهُ مِنْ انْتِهَازِ الْفُرْصَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ ; لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْهُ. قِيلَ لِأَحْمَدْ: يَحْكُونَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: تَرَكْت قِتَالَ الْعَدُوِّ عِنْدَك، وَجِئْت إلَى هَاهُنَا ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ.
فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا أَدْرِي مَا هَذَا الْقَوْلُ، يَتْرُكُ الْعَدُوَّ عِنْدَهُ، وَيَجِيءُ إلَى هَاهُنَا، أَفَيَكُونُ هَذَا، أَوَيَسْتَقِيمُ هَذَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} لَوْ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ كُلَّهُمْ عَمِلُوا عَلَى هَذَا، لَمْ يُجَاهِدْ التُّرْكَ أَحَدٌ. وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا فَعَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِكَوْنِهِ مُتَبَرِّعًا بِالْجِهَادِ، وَالْكِفَايَةُ حَاصِلَةٌ بِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُتَبَرِّعُ لَهُ تَرْكُ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ حَيْثُ شَاءَ، وَمَعَ مَنْ شَاءَ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي الْبِدَايَةِ بِالْأَبْعَدِ ; لِكَوْنِهِ أَخْوَفَ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ فِي الْبِدَايَةِ بِهِ لِقُرْبِهِ وَإِمْكَانِ الْفُرْصَةِ مِنْهُ، أَوْ لِكَوْنِ الْأَقْرَبِ مُهَادِنًا، أَوْ يَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِ مَانِعٌ، فَلَا بَأْسَ بِالْبِدَايَةِ بِالْأَبْعَدِ، لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ حَاجَةٍ.
(7423) وَأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِتَرْتِيبِ قَوْمٍ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ يَكُفُّونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَيَأْمُرَ بِعَمَلِ حُصُونِهِمْ، وَحَفْرِ خَنَادِقِهِمْ، وَجَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ، وَيُؤَمِّرَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَمِيرًا، يُقَلِّدُهُ أَمْرَ الْحُرُوبِ، وَتَدْبِيرَ الْجِهَادِ، وَيَكُونُ مِمَّنْ لَهُ رَأْيٌ وَعَقْلٌ وَنَجْدَةٌ وَبَصَرٌ بِالْحَرْبِ وَمُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ، وَيَكُونُ فِيهِ أَمَانَةٌ وَرِفْقٌ وَنُصْحٌ لِلْمُسْلِمِينَ ; وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنْ عَلَيْهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
وَيَغْزُو كُلَّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ مَنْ لَا يَفِي بِهِ مَنْ يَلِيهِ، فَيَنْقُلَ إلَيْهِمْ قَوْمًا مِنْ آخَرِينَ. وَيَتَقَدَّمَ إلَى مَنْ يُؤَمِّرُهُ أَنْ لَا يَحْمِلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَهْلَكَةٍ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ بِدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخَافُ أَنْ يُقْتَلُوا