فهرس الكتاب

الصفحة 3209 من 3896

وَإِنْ خِيفَ عَلَى السَّفِينَةِ الْغَرَقُ، فَأَلْقَى بَعْضُ الرُّكْبَانِ مَتَاعَهُ لِتَخِفَّ وَتَسْلَمَ مِنْ الْغَرَقِ، لَمْ يَضْمَنْهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَتَاعَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ ; لِصَلَاحِهِ وَصَلَاحِ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَلْقَى مَتَاعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، ضَمِنَهُ وَحْدَهُ.

وَإِنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَلْقِ مَتَاعَك. فَقَبِلَ مِنْهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ. وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ، وَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ. أَوْ: وَعَلَيَّ قِيمَتُهُ. لَزِمَهُ ضَمَانُهُ لَهُ ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ بِعِوَضٍ لِمَصْلَحَةٍ، فَوَجَبَ لَهُ الْعِوَضُ عَلَى مَنْ الْتَزَمَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ. وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ، وَعَلَيَّ وَعَلَى رُكْبَانِ السَّفِينَةِ ضَمَانُهُ. فَأَلْقَاهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ وَحْدَهُ. وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ضَمَانَهُ جَمِيعَهُ، فَلَزِمَهُ مَا الْتَزَمَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَضْمَنُ لَك.

أَوْ قَالَ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَمَانُ قِسْطِهِ أَوْ رُبْعِ مَتَاعِك. لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الضَّمَانِ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا حِصَّتَهُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ الْبَاقِينَ بِالضَّمَانِ، فَسَكَتُوا، وَسُكُوتُهُمْ لَيْسَ بِضَمَانٍ. وَإِنْ الْتَزَمَ ضَمَانَ الْجَمِيعِ، وَأَخْبَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، لَزِمَهُ ضَمَانُ الْكُلِّ، وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ عَلَى أَنْ أَضْمَنَهُ لَك أَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ، فَقَدْ أَذِنُوا لِي فِي ذَلِكَ. فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ أَنْكَرُوا الْإِذْنَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِهِ. وَإِنْ قَالَ: أُلْقِي مَتَاعِي، وَتَضْمَنُهُ لِي ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَلْقَاهُ، ضَمِنَهُ لَهُ.

وَإِنْ قَالَ: أَلْقِ مَتَاعَك، وَعَلَيَّ ضَمَانُ نِصْفِهِ، وَعَلَى أَخِي ضَمَانُ مَا بَقِيَ. فَأَلْقَاهُ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ وَحْدَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ.

(7411) وَإِذَا خَرَقَ سَفِينَةً، فَغَرِقَتْ بِمَا فِيهَا، وَكَانَ عَمْدًا، وَهُوَ مَا يُغْرِقُهَا غَالِبًا، وَيُهْلِكُ مَنْ فِيهَا، لِكَوْنِهِمْ فِي اللُّجَّةِ، أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّبَاحَةِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ قُتِلَ مَنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ السَّفِينَةِ بِمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَنَفْسٍ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْعَبِيدِ، وَدِيَةُ الْأَحْرَارِ عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَإِنْ كَانَ عَمْدَ خَطَأٍ، مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ السَّفِينَةَ لِيُصْلِحَ مَوْضِعًا، فَقَلَعَ لَوْحًا، أَوْ يُصْلِحَ مِسْمَارًا، فَنَقَبَ مَوْضِعًا، فَهَذَا عَمْدُ الْخَطَأِ.

وَذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ مَحْضٌ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ فِعْلًا مُبَاحًا، فَأَفْضَى إلَى التَّلَفِ لِمَا لَمْ يُرِدْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ آدَمِيًّا. وَلَكِنْ إنْ قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ فِي مَوْضِعٍ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُتْلِفُهَا، فَأَتْلَفَهَا، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. وَاَللَّه أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت