فَكَانَ هَذَا فِي الْحَرْثِ الَّذِي تُفْسِدُهُ الْبَهَائِمُ طَبْعًا بِالرَّعْيِ، وَتَدْعُوهَا نَفْسُهَا إلَى أَكْلِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
(7395) وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا، فَأَطْلَقَهُ، فَعَقَرَ إنْسَانًا، أَوْ دَابَّةً، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، أَوْ خَرَقَ ثَوْبَ إنْسَانٍ، فَعَلَى صَاحِبِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ ; لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِاقْتِنَائِهِ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ إنْسَانٌ دَارِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالدُّخُولِ، مُتَسَبِّبٌ بِعُدْوَانِهِ إلَى عَقْرِ الْكَلْبِ لَهُ. وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ; لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى إتْلَافِهِ.
وَإِنْ أَتْلَفَ الْكَلْبُ بِغَيْرِ الْعَقْرِ، مِثْلَ أَنْ وَلَغَ فِي إنَاءِ إنْسَانٍ، أَوْ بَالَ، لَمْ يَضْمَنْهُ مُقْتَنِيه ; لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنْ اقْتَنَى سِنَّوْرًا يَأْكُلُ أَفْرَاخَ النَّاسِ، ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ، كَمَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ، لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهُ جِنَايَتَهُ، كَالْكَلْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَقُورًا. وَلَوْ أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ أَوْ السِّنَّوْرَ حَصَلَ عِنْدَ إنْسَانٍ، مِنْ غَيْرِ اقْتِنَائِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ، فَأَفْسَدَ، لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْإِتْلَافُ بِسَبَبِهِ.
(7396) وَإِنْ اقْتَنَى حَمَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ، فَأَرْسَلَهُ نَهَارًا، فَلَقَطَ حَبًّا، لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ كَالْبَهِيمَةِ، وَالْعَادَةُ إرْسَالُهُ.
(7397) : (وَمَا جَنَتْ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا، ضَمِنَ رَاكِبُهَا مَا أَصَابَتْ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ جُرْحٍ، أَوْ مَالٍ، وَكَذَلِكَ إنْ قَادَهَا أَوْ سَاقَهَا) وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ} . وَلِأَنَّهُ جِنَايَةُ بَهِيمَةٍ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الرِّجْلُ جُبَارٌ} . رَوَاهُ سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَتَخْصِيصُ الرِّجْلِ بِكَوْنِهِ جُبَارًا، دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي جِنَايَةِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا عَنْ الْجِنَايَةِ إذَا كَانَ رَاكِبَهَا، أَوْ يَدُهُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهَا، وَحَدِيثُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهَا.
(7398) : (وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَضْمَنُهَا. وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَةِ بَهِيمَةٍ، يَدُهُ عَلَيْهَا، فَيَضْمَنُهَا، كَجِنَايَةِ يَدِهِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الرِّجْلُ جُبَارٌ} . وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ رِجْلِهَا عَنْ الْجِنَايَةِ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهَا بِفِعْلِهِ، مِثْلَ أَنْ كَبَحَهَا بِلِجَامِهَا، أَوْ ضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، ضَمِنَ جِنَايَةَ رِجْلِهَا ; لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي جِنَايَتِهَا، فَكَانَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ السَّبَبَ فِي جِنَايَتِهَا غَيْرُهُ، مِثْلَ أَنْ نَخَسَهَا، أَوْ نَفَرَهَا، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، دُونَ رَاكِبِهَا وَسَائِقِهَا وَقَائِدِهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي جِنَايَتِهَا.
(7399) : فَإِنْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ رَاكِبَانِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا، الْقَادِرُ عَلَى