فهرس الكتاب

الصفحة 3203 من 3896

تَرْكُ يَدِهِ فِي فَمِ الْعَاضِّ حَتَّى يَتَحَيَّلَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَنَّ جَذْبَ يَدِهِ مُجَرَّدُ تَخْلِيصٍ لِيَدِهِ، وَمَا حَصَلَ مِنْ سُقُوطِ الْأَسْنَانِ حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّخْلِيصِ الْجَائِزِ، وَلَكْمُ فَكِّهِ جِنَايَةٌ غَيْرُ التَّخْلِيصِ، وَرُبَّمَا تَضَمَّنَتْ التَّخْلِيصَ، وَرُبَّمَا أَتْلَفَتْ الْأَسْنَانَ الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ الْعَضُّ بِهَا، وَكَانَتْ الْبَدَاءَةُ بِجَذْبِ يَدِهِ أَوْلَى.

وَيَنْبَغِي أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ جَذْبُ يَدِهِ، فَعَدَلَ إلَى لَكْمِ فَكِّهِ، فَأَتْلَفَ سِنًّا، ضَمِنَهُ، لِإِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ.

(7389) وَمَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ مِنْ ثَقْبٍ، أَوْ شَقِّ بَابٍ، أَوْ نَحْوِهِ، فَرَمَاهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ بِحَصَاةٍ، أَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ، فَقَلَعَ عَيْنَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُهَا ; لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَنَظَرَ فِيهِ، أَوْ نَالَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا دُونَ الْفَرْجِ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ عَيْنِهِ، فَمُجَرَّدُ النَّظَرِ أَوْلَى.

وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ.} وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، {أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي حَجَرٍ مِنْ بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُكُّ رَأْسَهُ بِمِدْرَى فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَمْت، أَوْ لَطَعَنْت بِهَا فِي عَيْنِك} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَنْزِلَ يُعْلَمُ بِهِ، فَيُسْتَتَرُ مِنْهُ، بِخِلَافِ النَّاظِرِ مِنْ ثَقْبٍ، فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ، ثُمَّ الْخَبَرُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِذَلِكَ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَدْفَعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهُ أَوَّلًا: انْصَرِفْ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، أَشَارَ إلَيْهِ يُوهِمُهُ أَنَّهُ يَحْذِفُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ، فَلَهُ حَذْفُهُ حِينَئِذٍ.

وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى

(7390) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الِاطِّلَاعَ وَمَضَى، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَطْعَنْ الَّذِي اطَّلَعَ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الْجِنَايَةَ، فَأَشْبَهَ مَنْ عَضَّ ثُمَّ تَرَكَ الْعَضَّ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ أَسْنَانِهِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُطَّلَعُ مِنْهُ صَغِيرًا، كَثَقْبِ أَوْ شَقٍّ، أَوْ وَاسِعًا، كَثَقْبٍ كَبِيرٍ.

وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْبَابَ الْمَفْتُوحَ كَذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُ مَنْ نَظَرَ مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ ; لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ تَارِكِ الْبَابِ مَفْتُوحًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ بَابَهُ مَفْتُوحًا، أَنَّهُ يَسْتَتِرُ، لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْهُ، وَيَعْلَمُ بِالنَّاظِرِ فِيهِ، وَالْوَاقِفِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ، كَدَاخِلِ الدَّارِ. وَإِنْ اطَّلَعَ، فَرَمَاهُ صَاحِبُ الدَّارِ، فَقَالَ الْمُطَّلِعُ: مَا تَعَمَّدْت الِاطِّلَاعَ. لَمْ يَضْمَنْهُ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ قَدْ وُجِدَ، وَالرَّامِي لَا يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ. وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ، يَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِمَا هُوَ أَسْهَلُ.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَمْ أَرَ شَيْئًا حِينَ اطَّلَعْت، وَإِنْ كَانَ الْمُطَّلِعُ أَعْمَى، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَرَى شَيْئًا، وَلَوْ كَانَ إنْسَانٌ عُرْيَانًا فِي طَرِيقٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَمْيُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ. وَإِنْ كَانَ الْمُطَّلِعُ فِي الدَّارِ مِنْ مَحَارِمِ النِّسَاءِ اللَّائِي فِيهَا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُهُ، إلَّا أَنْ يَكُنَّ مُتَجَرِّدَاتٍ، فَيَصِرْنَ كَالْأَجَانِبِ. وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيَهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا نِسَاءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الَّتِي اطَّلَعَ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءٌ.

وَقَوْلُهُ:"لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك، بِغَيْرِ إذْنٍ، فَحَذَفْته". عَامٌّ فِي الدَّارِ الَّتِي فِيهَا نِسَاءٌ وَغَيْرِهَا.

(7391) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً، فَإِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُهُ، أَوْ حَدِيدَةٍ ثَقِيلَةٍ، ضَمِنَهُ بِالْقِصَاصِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ مَا يَقْلَعُ بِهِ الْعَيْنَ الْمُبْصِرَةَ، الَّتِي حَصَلَ الْأَذَى مِنْهَا، دُونَ مَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت