فهرس الكتاب

الصفحة 3201 من 3896

مِنْهَا مُحَرَّمٌ، وَفِي تَرْكِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ. فَأَمَّا مِنْ أُرِيدَتْ نَفْسِهِ أَوْ مَالُهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ {: اجْلِسْ فِي بَيْتِك فَإِنْ خِفْت أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْفِ، فَغَطِّ وَجْهَك} .

وَفِي لَفْظٍ: {فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ} . وَلِأَنَّ عُثْمَانَ، تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ إمْكَانِهِ مَعَ إرَادَتِهِمْ نَفْسَهُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمُضْطَرِّ: إذَا وَجَدَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ، لَزِمَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَلِمَ لَمْ تَقُولُوا ذَلِكَ هَاهُنَا ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْأَكْلَ يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ، مِنْ غَيْرِ تَفْوِيتِ نَفْسِ غَيْرِهِ، وَهَا هُنَا فِي إحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَاتُ نَفْسِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إنْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ غَيْرَهُ، فَلَزِمَهُ، كَالْأَكْلِ فِي الْمَخْمَصَةِ.

وَالثَّانِي، لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ دَفْعٌ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَالدَّفْعِ بِالْقِتَالِ.

(7385) فَصْلٌ: وَإِذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ صَائِلٍ، يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ ظُلْمًا، أَوْ يُرِيدُ امْرَأَةً لِيَزْنِيَ بِهَا، فَلِغَيْرِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ مَعُونَتُهُ فِي الدَّفْعِ. وَلَوْ عَرَضَ اللُّصُوصُ لِقَافِلَةٍ، جَازَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْقَافِلَةِ الدَّفْعُ عَنْهُمْ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا} . وَفِي حَدِيثٍ {: إنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْفَتَّانِ} . وَلِأَنَّهُ لَوْلَا التَّعَاوُنُ لَذَهَبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَأَنْفُسُهُمْ ; لِأَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ إذَا انْفَرَدُوا بِأَخْذِ مَالِ إنْسَانٍ لَمْ يُعِنْهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْكُلِّ، وَاحِدًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ.

(7386) وَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَا دِيَةَ ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَمَا هُوَ يَتَغَدَّى يَوْمًا، إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَعْدُو، وَمَعَهُ سَيْفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، فَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ مَعَ عُمَرَ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، وَأَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا مَعَ امْرَأَتِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ: ضَرَبَ الْآخَرُ فَخِذَيْ امْرَأَتِهِ بِالسَّيْفِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلَهُ. فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ، فَقَطَعَ فَخِذَيْ امْرَأَتِهِ، فَأَصَابَ وَسَطَ الرَّجُلِ، فَقَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ: إنْ عَادُوا فَعُدْ. رَوَاهُ هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ. أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ. وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُطَاوِعَةً، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. وَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ بَيْتَهُ، فَإِذَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلٌ، فَقَتَلَهَا وَقَتَلَهُ. قَالَ عَلِيٌّ: إنْ جَاءَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَإِلَّا فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ الْقَتْلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.

وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْبَيِّنَةِ، فَرُوِيَ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ ; لِخَبَرِ عَلِيٍّ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، {أَنَّ سَعْدًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت إنْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ} .

وَرُوِيَ أَنَّهُ يَكْفِي شَاهِدَانِ ; لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ عَلَى وُجُودِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَهَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْأَرْبَعَةِ الزِّنَى، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الزِّنَى.

فَإِنْ قِيلَ: فَحَدِيثُ عُمَرَ فِي الَّذِي وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا لَيْسَ فِيهِ بَيِّنَةٌ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَرَجَ غَازِيًا، وَأَوْصَى بِأَهْلِهِ رَجُلًا، فَبَلَغَ الرَّجُلَ أَنَّ يَهُودِيًّا يَخْتَلِفُ إلَى امْرَأَتِهِ، فَكَمَنَ لَهُ حَتَّى جَاءَ، فَجَعَلَ يُنْشِدُ:

وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنِّي خَلَوْت بِعِرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت