فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 3896

فَطَهُرَتْ فِي مِثْلِهِ، كَالنَّجَاسَةِ عَلَى الْأَرْضِ ; وَلِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ، وَالْمُتَّصِلُ يَطْهُرُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ، وَتُفَارِقُ الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْأَرْضِ وَمَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي خِفَّتهَا الْمَحَلُّ، وَقَدْ زَالَتْ عَنْهُ، فَزَالَ التَّخْفِيفُ، وَالْعِلَّةُ فِي تَخْفِيفِهَا هَاهُنَا قُصُورُ حُكْمِهَا بِمَا مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ الْغَسْلِ.

وَهَذَا لَازِمٌ لَهَا حَسَبَ مَا كَانَ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ قَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ مَحَلِّ غَسْلٍ بِالتُّرَابِ غُسِلَ مَحَلُّهَا بِغَيْرِ تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى بِغَيْرِ تُرَابٍ غُسِلَتْ هَذِهِ بِالتُّرَابِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

(58) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، أَوْ يَدِهِ، أَوْ رِجْلِهِ، أَوْ شَعْرِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَائِهِ ; لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ حُكْمُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَحُكْمُ الْخِنْزِيرِ حُكْمُ الْكَلْبِ ; لِأَنَّ النَّصَّ وَقَعَ فِي الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرُ شَرٌّ مِنْهُ وَأَغْلَظُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَحَرُمَ اقْتِنَاؤُهُ.

(59) فَصْلٌ: وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا ; إنْ كَانَتْ جِسْمًا لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ كَالْآنِيَةِ، فَغَسْلُهُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ كُلَّ مَرَّةٍ غَسْلَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِ فِعْلِهِ، مِثْلُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مَاءُ الْمَطَرِ، أَوْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ جَارٍ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ جِرْيَاتُ النَّهْرِ، فَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ غَسْلَةٌ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَبَّهُ آدَمِيٌّ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَإِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ رَاكِدٍ نَجَّسَهُ وَلَمْ يَطْهُرْ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا اُحْتُسِبَ بِوَضْعِهِ فِيهِ وَمُرُورِ الْمَاءِ عَلَى أَجْزَائِهِ غَسْلَةً، فَإِنْ خَضْخَضَهُ فِي الْمَاءِ وَحَرَّكَهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ أَجْزَاءٌ غَيْرُ الَّتِي كَانَتْ مُلَاقِيَةً لَهُ، اُحْتُسِبَ بِذَلِكَ غَسْلَةً ثَانِيَةً، كَمَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ جِرْيَاتٌ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي.

وَإِنْ كَانَ الْمَغْسُولُ إنَاءً فَطُرِحَ فِيهِ الْمَاءُ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ غَسْلَةٌ حَتَّى يُفْرِغَهُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِي غَسْلِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسَعُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا، فَمَلَأَهُ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ إدَارَةَ الْمَاءِ فِيهِ تَجْرِي مَجْرَى الْغَسَلَاتِ ; لِأَنَّ أَجْزَاءَهُ تَمُرُّ عَلَيْهَا جِرْيَاتٌ مِنْ الْمَاءِ غَيْرُ الَّتِي كَانَتْ مُلَاقِيَةً لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهَا جِرْيَاتٌ مِنْ مَاءٍ جَارٍ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَكُونُ غَسْلُهُ إلَّا بِتَفْرِيغِهِ مِنْهُ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ الْمَغْسُولُ جِسْمًا تَدْخُلُ فِيهِ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِرَفْعِهِ مِنْ الْمَاءِ غَسْلَةً، إلَّا بَعْدَ عَصْرِهِ، وَعَصْرِ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَإِنْ كَانَ بِسَاطًا ثَقِيلًا أَوْ زِلِّيًّا فَعَصْرُهُ بِتَقْلِيبِهِ وَدَقِّهِ.

(60) فَصْلٌ: مَا أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ، إنْ انْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ، أَوْ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ، فَهُوَ نَجِسٌ ; لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ مَاءٌ قَلِيلٌ لَاقَى مَحَلًّا نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ، فَكَانَ نَجِسًا، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ. وَإِنْ انْفَصَلَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهُرَ بِهَا الْمَحَلُّ، فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا فَهُوَ طَاهِرٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ، لِيُطَهِّرَ الْأَرْضَ الَّتِي بَالَ عَلَيْهَا، فَلَوْ كَانَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا لَنَجَّسَ بِهِ مَا انْتَشَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، فَتَكْثُرُ النَّجَاسَةُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ.

وَهُوَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ مَحْكُومٍ بِطَهَارَتِهِ، فَكَانَ طَاهِرًا، كَالْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ، وَأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ وَالْمُتَّصِلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت