اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ لَنَا وَأَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِضَمَانِ الَّتِي أَجْهَضَتْ جَنِينَهَا حِينَ أَرْسَلَ إلَيْهَا. وَلَنَا أَنَّهَا عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلرَّدْعِ، وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَنْ تَلِفَ بِهَا، كَالْحَدِّ. وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ فِي دِيَةِ مَنْ قَتَلَهُ حَدُّ الْخَمْرِ، فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُوجِبُوا شَيْئًا بِهِ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ تَرْكِ الْجَمِيعِ لَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْجَنِينِ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْجَنِينَ الَّذِي تَلِفَ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ، وَلَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ ضَمَانُهُ ؟ وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ حَدَّ حَامِلًا، فَأَتْلَفَ جَنِينَهَا، ضَمِنَهُ، مَعَ أَنَّ الْحَدَّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنَا، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ضَمَانُ الْمَحْدُودِ إذَا أُتْلِفَ بِهِ.
(7378) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ ضَمَانُ الزَّوْجَةِ إذَا تَلِفَتْ مِنْ التَّأْدِيبِ الْمَشْرُوعِ فِي النُّشُوزِ، وَلَا عَلَى الْمُعَلِّمِ إذَا أَدَّبَ صَبِيَّهُ الْأَدَبَ الْمَشْرُوعَ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ. وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ الْخَلَّالُ: إذَا ضَرَبَ الْمُعَلِّمُ ثَلَاثًا، كَمَا قَالَ التَّابِعُونَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَكَانَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَلَيْسَ بِضَامِنٍ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، مِثْلُهُ لَا يَكُونُ أَدَبًا لِلصَّبِيِّ، ضَمِنَ ; لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى فِي الضَّرْبِ. قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ يَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا: إذَا ضَرَبَ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ الصَّبِيَّ تَأْدِيبًا فَهَلَكَ، أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ، أَوْ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ تَأْدِيبًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، كَالْمُعَلِّمِ.
(7379) فَصْلٌ: وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ إنْسَانٍ فِيهِ أَكِلَةٌ، أَوْ سِلْعَةٌ بِأُذْنِهِ، وَهُوَ كَبِيرٌ عَاقِلٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَطَعَهُ مُكْرَهًا، فَالْقَطْعُ وَسِرَايَتُهُ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاطِعُ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ، وَالْأَكِلَةُ إنْ كَانَ بَقَاؤُهَا مَخُوفًا، فَقَطْعُهَا مَخُوفٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْ قُطِعَتْ مِنْهُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، وَقَطَعَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَطَعَهَا وَلِيُّهُ، وَهُوَ الْأَبُ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوْ الْحَاكِمُ، أَوْ أَمِينُهُ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ مَصْلَحَتَهُ، وَلَهُ النَّظَرُ فِي مَصَالِحِهِ، فَكَانَ فِعْلُهُ مَأْمُورًا بِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَمَا لَوْ خَتَنَهُ فَمَاتَ. وَالسِّلْعَةُ: غُدَّةٌ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ، تَظْهَرُ فِي الْبَدَنِ، كَالْجَوْزَةِ، وَتَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ، وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ. وَالسَّلْعَةُ: بِفَتْحِ السِّينِ: الشَّجَّةُ.
(7380) فَصْلٌ: وَإِذَا خَتَنَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ فِي وَقْتٍ مُعْتَدِلٍ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ إنْ تَلِفَ بِهِ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. وَإِنْ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَمْ يَخْتَتِنَا، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِهِمَا فَخُتِنَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ زَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَتْلَفُ بِالْخِتَانِ، أَوْ الْغَالِبُ تَلَفُهُ بِهِ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ السَّلَامَةَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ، لَيْسَ بِمُفْرِطِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {الْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ فِي النِّسَاءِ.} وَلَنَا أَنَّهُ قَطْعُ عُضْوٍ صَحِيحٍ مِنْ الْبَدَنِ، يُتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِ، فَلَمْ يُقْطَعْ إلَّا وَاجِبًا، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ ; وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَا جَازَ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَجْلِهِ، فَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ قِيلَ: هُوَ ضَعِيفٌ. وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى سُنَّةً، فَإِنَّ السُّنَّةَ مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى، وَلَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَإِلَّا أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.