فهرس الكتاب

الصفحة 3159 من 3896

فَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلَ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُمَا يَجِبُ قَطْعُهُمَا بِالسَّرِقَةِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ، فَلَمْ يَجِبْ فِي حَقِّهِمَا كَالرَّجْمِ ; وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَا يُسَاوِي الْعَبْدُ فِيهِ الْحُرَّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ. وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَانْتَحَرُوهَا، فَأَمَرَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ أَنْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَاك تُجِيعُهُمْ، وَلَكِنْ لَأُغَرِّمَنَّك غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك. ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِك ؟ قَالَ: أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ.

وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدًا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَقَطَعَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ عَبْدًا. يَعْنِي الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ. وَهَذِهِ قِصَصٌ تَنْتَشِرُ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ. قُلْنَا: وَلَا يُمْكِنُ تَعْطِيلُهُ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ، وَقِيَاسُهُمْ نَقْلِبُهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقُولُ: حَدٌّ فَلَا يَتَعَطَّلُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَفَارَقَ الرَّجْمَ، فَإِنَّ حَدَّ الزَّانِي لَا يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ، بِخِلَافِ الْقَطْعِ، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ.

(7287) فَصْلٌ وَيُقْطَعُ الْآبِقُ بِسَرِقَتِهِ، وَغَيْرُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَرْوَانُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ ; لِأَنَّ قَطْعَهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ. وَلَنَا عُمُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَيُقْطَعُ، كَغَيْرِ الْآبِقِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ. لَا يُسَلَّمُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إقْرَارُ السَّيِّدِ، وَلَا يَضُرُّ إنْكَارُهُ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ، ثُمَّ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ جَائِزٌ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.

(7288) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ، وَقَالَ: هَذَا مَالِي. فَالْمَالُ لِسَيِّدِهِ، وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ سَرِقَتُهُ لِلْمَالِ، فَلَمْ يَجِبْ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ ; وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِي الْمَالِ، فَفِي الْحَدِّ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى. وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، وَصَدَّقَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، فَقُطِعَ، كَالْحُرِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ ; لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَكَوْنُ الْمَالِ مَحْكُومًا بِهِ لِسَيِّدِهِ شُبْهَةٌ.

(7289) فَصْلٌ: وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا، فَسَرَقَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت