وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ يُعَذِّبُهَا السَّحَرَةُ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَخُطُّ خَطًّا عَلَيْهَا، وَأَغْرِزُ السِّكِّينَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْخَطِّ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ مُحَمَّدُ: مَا أَعْلَمُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَأْسًا عَلَى حَالٍ، وَلَا أَدْرِي مَا الْخَطُّ وَالسِّكِّينُ ؟ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الرَّجُلِ يُؤْخَذُ عَنْ امْرَأَتِهِ، فَيَلْتَمِسُ مَنْ يُدَاوِيهِ، فَقَالَ: إنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَمَّا يَضُرُّ، وَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ. وَقَالَ أَيْضًا: إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْفَعَ أَخَاك فَافْعَلْ. فَهَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَزِّمَ وَنَحْوَهُ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي حُكْمِ السَّحَرَةِ ; وَلِأَنَّهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ بِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ.
(7129) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْكَاهِنُ الَّذِي لَهُ رَئِيٌّ مِنْ الْجِنِّ، تَأْتِيه بِالْأَخْبَارِ، وَالْعَرَّافُ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فِي الْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ: أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ مِنْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ. قِيلَ لَهُ يُقْتَلُ ؟ قَالَ: لَا، يُحْبَسُ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ. قَالَ: وَالْعِرَافَةُ طَرَفٌ مِنْ السِّحْرِ، وَالسَّاحِرُ أَخْبَثُ، لِأَنَّ السِّحْرَ شُعْبَةٌ مِنْ الْكُفْرِ. وَقَالَ: السَّاحِرُ وَالْكَاهِنُ حُكْمُهُمَا الْقَتْلُ، أَوْ الْحَبْسُ حَتَّى يَتُوبَا ; لِأَنَّهُمَا يَلْبِسَانِ أَمْرَهُمَا، وَحَدِيثُ عُمَرَ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَكَاهِنٍ. وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَتُبْ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَقْتُلُ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ السَّاحِرِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَهَذَا بِدَرْءِ الْقَتْلِ عَنْهُ أَوْلَى.
(7130) فَصْلٌ: فَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلَا يُقْتَلُ لِسِحْرِهِ، إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِهِ - وَهُوَ مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا - فَيُقْتَلَ قِصَاصًا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْتَلُ ; لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُ جِنَايَةٌ أَوْجَبَتْ قَتْلَ الْمُسْلِمِ، فَأَوْجَبَتْ قَتْلَ الذِّمِّيِّ كَالْقَتْلِ. وَلَنَا، {أَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ} . وَلِأَنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ، وَالْأَخْبَارُ وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ، وَهَذَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ. وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِاعْتِقَادِ الْكُفْرِ، وَالْمُتَكَلِّمِ بِهِ، وَيَنْتَقِضُ بِالزِّنَى مِنْ الْمُحْصَنِ ; فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ الذِّمِّيُّ عِنْدَهُمْ، وَيُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.