أَغْلَقَ بَابًا أَوْ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ.
وَعَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ وَدَى قَوْمًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، قُتِلُوا مُدْبِرِينَ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْت صِفِّينَ، فَكَانُوا لَا يُجِيزُونَ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَقْتُلُونَ مُولِيًا، وَلَا يَسْلُبُونَ قَتِيلًا. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي، فِي"شَرْحِهِ"، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى عَلَى أُمَّتِي ؟ فَقُلْت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ: لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهُمْ} . وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُمْ وَكَفُّهُمْ، وَقَدْ حَصَلَ، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ، كَالصَّائِلِ. وَلَا يُقْتَلُونَ لِمَا يُخَافُ فِي الثَّانِي: كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ قَتَلَ إنْسَانٌ مَنْ مُنِعَ مِنْ قَتْلِهِ، ضَمِنَهُ ; لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا، لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ. وَفِي الْقِصَاصِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يَجِبُ، لِأَنَّهُ مُكَافِئُ مَعْصُومٍ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ فِي قَتْلِهِمْ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقِصَاصِ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. وَأَمَّا أَسِيرُهُمْ، فَإِنْ دَخَلَ فِي الطَّاعَةِ، خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ، وَكَانَ رَجُلًا جَلْدًا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، حُبِسَ مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً، فَإِذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ، خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْقِتَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ الْفَانِينَ، خُلِّيَ سَبِيلُهُمْ، وَلَمْ يُحْبَسُوا، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَفِي الْآخَرِ، يُحْبَسُونَ ; لِأَنَّ فِيهِ كَسْرًا لِقُلُوبِ الْبُغَاةِ. وَإِنْ أَسَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أُسَارَى مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، جَازَ فِدَاءُ أَسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِأُسَارَى أَهْلِ الْبَغْيِ. وَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ أَسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ، لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ أُسَارَاهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَزِرُونَ وِزْرَ غَيْرِهِمْ.
وَإِنْ أَبَى الْبُغَاةُ مُفَادَاةَ الْأَسْرَى الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَحَبَسُوهُمْ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ حَبْسُ مَنْ مَعَهُمْ ; لِيَتَوَصَّلُوا إلَى تَخْلِيصِ أُسَارَاهُمْ بِحَبْسِ مَنْ مَعَهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَبْسُهُمْ وَيُطْلَقُونَ ; لِأَنَّ الذَّنْبَ فِي حَبْسِ أُسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ لِغَيْرِهِمْ.
(7073) فَصْلٌ: فَأَمَّا غَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ، وَسَبْيُ ذُرِّيَّتِهِمْ، فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي أُمَامَةَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ; وَلِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا حَصَلَ مِنْ ضَرُورَةِ دَفْعِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، قَالَ: مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ، فَلْيَأْخُذْهُ. وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ قَدْ أَخَذَ قِدْرًا وَهُوَ يُطْبَخُ فِيهَا، فَجَاءَ صَاحِبُهَا لِيَأْخُذَهَا، فَسَأَلَهُ الَّذِي يَطْبُخُ فِيهَا إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبِيخُ، فَأَبَى، وَكَبَّهُ، وَأَخَذَهَا.
وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَمَ الْخَوَارِجُ مِنْ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَإِنْ حَلَّتْ لَهُ دِمَاؤُهُمْ، فَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ، وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَمْوَالُهُمْ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ ؟ يَعْنِي عَائِشَةَ أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ أُمَّكُمْ. فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّهَا أُمُّكُمْ. وَاسْتَحْلَلْتُمْ سَبْيَهَا، فَقَدْ كَفَرْتُمْ. يَعْنِي بِقَوْلِهِ إنَّكُمْ إنْ جَحَدْتُمْ أَنَّهَا أُمُّكُمْ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} . فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمًّا لَهُمْ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ