قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ عَلَى الْجَمِيعِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ.
وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، وَحَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَأَنْكَرَهُ سَائِرُ أَصْحَابِهِ. وَاحْتَجَّ لِمَنْ أَوْجَبَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} . وَ {مَنْ} يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ، وَلَمْ يُوجِبْ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً، وَدِيَةً، وَالدِّيَةُ لَا تَتَعَدَّدُ، فَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ ; وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ، فَلَمْ تَتَعَدَّدْ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ مَعَ اتِّحَادِ الْمَقْتُولِ، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ. وَلَنَا، أَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَهِيَ مِنْ مُوجَبِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ، فَكَمَلَتْ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِكِينَ، كَالْقِصَاصِ. وَتُخَالِفُ كَفَّارَةَ الصَّيْدِ ; فَإِنَّهَا تَجِبُ بَدَلًا، وَلِهَذَا تَجِبُ فِي أَبْعَاضِهِ، وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ.
(7053) فَصْلٌ: إذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجِبُ. وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ.
(7054) فَصْلٌ: وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، قَالَ: {أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاحِبٍ لَنَا، قَدْ أُوجِبَ بِالْقَتْلِ. فَقَالَ: اعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً، يَعْتِقْ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ} .، وَلِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ، فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ إثْمًا، وَأَكْبَرُ جُرْمًا، وَحَاجَتُهُ إلَى تَكْفِيرِ ذَنْبِهِ أَعْظَمُ.
وَلَنَا، مَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} . ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ الْعَمْدِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ كَفَّارَةً، وَجَعَلَ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ. وَرُوِيَ {أَنَّ سُوَيْدٌ بْنَ الصَّامِتِ قَتَلَ رَجُلًا، فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْقَوَدَ، وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً} . {وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَتَلَ رَجُلَيْنِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَدَاهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً} . وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ، فَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً، كَزِنَى الْمُحْصَنِ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خَطَأً، وَسَمَّاهُ مُوجِبًا، أَيْ فَوَّتَ النَّفْسَ بِالْقَتْلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِعْتَاقِ تَبَرُّعًا، وَلِذَلِكَ أَمَرَ غَيْرَ الْقَاتِلِ بِالْإِعْتَاقِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي الْخَطَإِ، فَتَمْحُو إثْمَهُ ; لِكَوْنِهِ لَا يَخْلُو مِنْ تَفْرِيطٍ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إيجَابُهَا فِي مَوْضِعٍ عَظُمَ الْإِثْمُ فِيهِ، بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِعُ بِهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ، وَمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، كَقَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ، وَالْحُرِّ الْعَبْدَ، وَالْمُسْلِمِ الْكَافِرَ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَمْدِ.
(7055) فَصْلٌ: وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ. وَلَمْ أَعْلَمْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا، لَكِنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ ;