فَصْلٌ: فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا قَتَلَهُ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ. فَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ، لَمْ تَبْطُلْ دَعْوَاهُ، وَلَهُ الْقَسَامَةُ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الدِّيَةِ إنْ كَانَ أَخَذَهَا ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِمَنْ يُكَذِّبُهُ. وَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ، أَوْ طَالَبَهُ بِمُوجَبِ الْقَتْلِ، لَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ بِبُطْلَانِ الدَّعْوَى. وَهَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُقِرِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، لَهُ مُطَالَبَتُهُ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِحَقٍّ، فَمَلَكَ مُطَالَبَتَهُ بِهِ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ ; لِأَنَّ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ انْفِرَادَهُ بِالْقَتْلِ ; إبْرَاءٌ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ مَنْ أَبْرَأَهُ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُمَا، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الثَّانِي بِالدِّيَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رَجُلٍ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالْقَتْلِ، فَأُخِذَ لِيُقَادَ مِنْهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: مَا قَتَلَهُ هَذَا، أَنَا قَتَلْتُهُ: فَالْقَوَدُ يَسْقُطُ عَنْهُمَا، وَالدِّيَةُ عَلَى الثَّانِي.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ، أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ رَجُلًا فِي خَرِبَةٍ، وَتَرَكَهُ وَهَرَبَ، وَكَانَ قَصَّابٌ قَدْ ذَبَحَ شَاةً، وَأَرَادَ ذَبْحَ أُخْرَى، فَهَرَبَتْ مِنْهُ إلَى الْخَرِبَةِ، فَتَبِعَهَا حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْقَتِيلِ، وَالسِّكِّينُ بِيَدِهِ مُلَطَّخَةٌ بِالدَّمِ، فَأُخِذَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَجِيءَ بِهِ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ الْقَاتِلُ فِي نَفْسِهِ: يَا وَيْلَهُ، قَتَلْت نَفْسًا، وَيُقْتَلُ بِسَبَبِي آخَرُ فَقَامَ فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: إنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أَحْيَا نَفْسًا. وَدَرَأَ عَنْهُ الْقِصَاصَ. وَلِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلِ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ عَنْ الثَّانِي: وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ ; لِإِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لَهَا. وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَأَعْدَلُ، مَعَ شَهَادَةِ الْأَثَرِ بِصِحَّتِهِ.
(7022) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إذَا ادَّعَوْا الْقَتْلَ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتِيلِ لَوْثٌ، شُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِينَ أَوَّلًا، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَثَبَتَ حَقُّهُمْ قِبَلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا، اُسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَبُرِّئَ. وَبِهَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَرَبِيعَةُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَوَّلًا خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيُبَرَّءُونَ.
فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا، اُسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ مِنْ الْمُدَّعِينَ، أَنَّ حَقَّنَا قِبَلَكُمْ، ثُمَّ يُعْطَوْنَ الدِّيَةَ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظٍ {: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} . رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، فِي"مُسْنَدِهِ". وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَار {، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ، وَبَدَأَ بِهِمْ: يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا. فَأَبَوْا، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: اسْتَحِقُّوا قَالُوا: نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُول اللَّهِ. فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ} ; لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ; وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي دَعْوَى، فَوَجَبَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ، بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا، وَيُغَرَّمُونَ الدِّيَةَ ; لِقَضَاءِ عُمَرَ، بِذَلِكَ. وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَتَكَلَّمُوا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدِ بْنِ قِبْطِيٍّ، أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ ; قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ: وَاَيْمُ اللَّهِ، مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَعْلَمَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ، قَالَ: وَاَللَّهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إلَى يَهُودَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ: إنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ