فهرس الكتاب

الصفحة 3028 من 3896

يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الْقَتِيلُ غَيْرُ الْعَدُوِّ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنًّا الَّتِي ذَكَرْنَاهَا. وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يُوجَدَ الْقَتِيلُ فِي مَوْضِعِ عَدُوٍّ لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ قُتِلَ فِي خَيْبَرَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْيَهُودُ، وَجَمِيعُهُمْ أَعْدَاءٌ. وَلِأَنَّهُ مَتَى اخْتَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ ذَلِكَ الْغَيْرَ.

ثُمَّ نَاقَضَ الْقَاضِي قَوْلَهُ، فَقَالَ فِي قَوْمٍ ازْدَحَمُوا فِي مَضِيقٍ، فَافْتَرَقُوا عَنْ قَتِيلٍ: إنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَتَلَهُ ; لِكَوْنِهِ بِقُرْبِهِ، فَهُوَ لَوْثٌ. فَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ لَوْثًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِ الْعَدُوِّ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ: هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَمْ لَا ؟ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ، يَقْصِدُونَهَا لِأَخْذِ غَلَّاتِ أَمْلَاكِهِمْ مِنْهَا، وَعِمَارَتِهَا، وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا، وَالِامْتِيَارِ مِنْهَا، وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مَدِينَةٌ عَلَى جَادَّةٍ تَخْلُو مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا. وَقَوْلُ الْأَنْصَارِ: لَيْسَ لَنَا بِخَيْبَرَ عَدُوٌّ إلَّا يَهُودُ. يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَدُوٍّ ; وَلِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْعَدَاوَةِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ اللَّوْثِ فِي حَقِّ وَاحِدٍ، وَتَخْصِيصِهِ بِالدَّعْوَى مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فِي احْتِمَالِ قَتْلِهِ ; فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ ذَلِكَ وُجُودَ مَنْ يَبْعُدُ مِنْهُ الْقَتْلُ أَوْلَى.

وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ، لَا يَنْفِي اللَّوْثَ، فَإِنَّ اللَّوْثَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ يَقِينُ الْقَتْلِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُنَافِيهِ الِاحْتِمَالُ، وَلَوْ تُيُقِّنَ الْقَتْلُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْأَيْمَانِ، وَلَوْ اُشْتُرِطَ نَفْيُ الِاحْتِمَالِ ; لَمَا صَحَّتْ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُ، وَلَا عَلَى الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْتَرِكَ الْجَمِيعُ فِي قَتْلِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ اللَّوْثَ مَا يُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي، وَذَلِكَ فِي دَارٍ أَوْ غَيْرِهَا، مِنْ وُجُوهٍ ; أَحَدُهَا، الْعَدَاوَةُ الْمَذْكُورَةُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ عَنْ قَتِيلٍ، فَيَكُونَ ذَلِكَ لَوْثًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ فَأَنْكَرَ كَوْنَهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَزْدَحِمَ النَّاسُ فِي مَضِيقٍ، فَيُوجَدَ فِيهِمْ قَتِيلٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَوْثٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ مَاتَ بِالزِّحَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: فِدْيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ; فَإِنَّ سَعِيدًا رَوَى فِي"سُنَنِهِ"، عَنْ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ فِي زِحَامِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَجَاءَ أَهْلُهُ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ: بَيِّنَتُكُمْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُطَلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إنْ عَلِمْت قَاتِلَهُ، وَإِلَّا فَأَعْطِ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ، فِيمَنْ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: يُنْظَرُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فِي حَيَاتِهِ يَعْنِي عَدَاوَةً يُؤْخَذُونَ. فَلَمْ يَجْعَلْ الْحُضُورَ لَوْثًا، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّوْثَ الْعَدَاوَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، فِيمَنْ مَاتَ فِي الزِّحَامِ: دِيَتُهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ ; لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ مِنْهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: دَمُهُ هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ قَاتِلٌ، وَلَا وُجِدَ لَوْثٌ ; فَيُحْكَمَ بِالْقَسَامَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كُتِبَ إلَيْهِ فِي رَجُلٍ وُجِدَ قَتِيلًا، لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ: إنَّ مِنْ الْقَضَايَا قَضَايَا لَا يُحْكَمُ فِيهَا إلَّا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهَذَا مِنْهَا. الرَّابِعُ، أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ لَا يُوجَدُ بِقُرْبِهِ إلَّا رَجُلٌ مَعَهُ سَيْفٌ أَوْ سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قَتَلَهُ، مِثْلُ أَنْ يَرَى رَجُلًا هَارِبًا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ الْقَاتِلُ أَوْ سَبْعًا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِيهِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ، فَيَفْتَرِقُونَ عَنْ قَتِيلٍ مِنْ إحْدَاهُمَا، فَاللَّوْثُ عَلَى الْأُخْرَى. ذَكَرَهُ الْقَاضِي. فَإِنْ كَانُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت