الْجَوْفِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْجَائِفَةُ مَا أَفْضَى إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ بِمَغْرِزِ إبْرَةٍ، فَأَمَّا إنْ خَرَقَ شِدْقَهُ. فَوَصَلَ إلَى بَاطِنِ الْفَمِ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ ; لِأَنَّ دَاخِلَ الْفَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ، لَا حُكْمُ الْبَاطِنِ. وَإِنْ طَعَنَهُ فِي وَجْنَتِهِ، فَكَسَرَ الْعَظْمَ. وَوَصَلَ إلَى فِيهِ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: هُوَ جَائِفَةٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى جَوْفٍ. وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا خَرَقَ شِدْقَهُ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَيْهِ دِيَةُ هَاشِمَةٍ، لِكَسْرِ الْعَظْمِ، وَفِيمَا زَادَ حُكُومَةٌ.
وَإِنْ جَرَحَهُ فِي أَنْفِهِ فَأَنْفَذَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ فِي وَجْنَتِهِ فَأَنْقَذَهُ إلَى فِيهِ، فِي الْحُكْمِ وَالْخِلَافِ. وَإِنْ جَرَحَهُ فِي ذَكَرِهِ، فَوَصَلَ إلَى مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَوْفٍ يُخَافُ التَّلَفُ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
(6980) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ. وَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ، صَارَ جَائِفَةً وَاحِدَةً، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ. وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ، أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. وَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا لِلْمُدَاوَاةِ، فَخَرَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ، أَوْ خَرَقَهَا وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، أَوْ الطَّبِيبُ بِأَمْرِهِ، فَلَا شَيْءَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ.
وَإِنْ أَجَافَهُ رَجُلٌ، فَوَسَّعَهَا آخَرُ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُ جَائِفَةٍ ; لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ كَانَ جَائِفَةً، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ. وَإِنْ وَسَّعَهَا الطَّبِيبُ بِإِذْنِهِ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ لِمَصْلَحَتِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ وَسَّعَهَا جَانٍ آخَرُ، فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، أَوْ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ ; لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغْ الْجَائِفَةَ. وَإِنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي الْجَائِفَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، عُزِّرَ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ خَاطَهَا، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَطَعَ الْخُيُوطَ، وَأَدْخَلَ السِّكِّينَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِمَ، عُزِّرَ أَشَدَّ مِنْ التَّعْزِيرِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَغَرَّمَهُ ثَمَنَ الْخُيُوطِ وَأُجْرَةَ الْخَيَّاطِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُجِفْهُ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْتِحَامِهَا، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَثَمَنُ الْخُيُوطِ ; لِأَنَّهُ بِالِالْتِحَامِ عَادَ إلَى الصِّحَّةِ، فَصَارَ كَاَلَّذِي لَمْ يُجْرَحْ. وَإِنْ الْتَحَمَ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ، فَفَتَقَ مَا الْتَحَمَ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ جَائِفَةٍ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ فَتَقَ غَيْرَ مَا الْتَحَمَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِمَ مِنْهَا شَيْءٌ. وَإِنْ فَتَقَ بَعْضَ مَا الْتَحَمَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، أَوْ الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، كَمَا لَوْ وَسَّعَ جُرْحَهُ كَذَلِكَ.
(6981) فَصْلٌ: وَإِنْ جَرَحَ فَخِذَهُ، وَمَدَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الْوَرِكَ، فَأَجَافَ فِيهِ، أَوْ جَرَحَ الْكَتِفَ، وَجَرَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الصَّدْرَ، فَأَجَافَهُ فِيهِ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَحُكُومَةٌ فِي الْجِرَاحِ ; لِأَنَّ الْجِرَاحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَائِفَةِ، فَانْفَرَدَتْ بِالضَّمَانِ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَجَرَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا.
(6982) فَصْلٌ: فَإِنْ أَدْخَلَ حَدِيدَةً أَوْ خَشَبَةً أَوْ يَدَهُ، فِي دُبُرِ إنْسَانٍ، فَخَرَقَ حَاجِزًا فِي الْبَاطِنِ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ ; لِأَنَّ الْجَائِفَةَ مَا خَرَقَتْ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى الْجَوْفِ، وَهَذِهِ بِخِلَافِهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي جَائِفَةٍ