فهرس الكتاب

الصفحة 2976 من 3896

التَّالِفِ ; لِأَنَّهُ تَعَدَّى فِي نَصِيبِ شَرِيكَيْهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِهَتَيْنِ، فَكَانَ الضَّمَانُ نِصْفَيْنِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ جُرْحًا، وَجَرَحَهُ آخَرُ جُرْحَيْنِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ، فَضَمِنَ الْوَاقِعَ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَالشَّرِكَةُ أَوْجَبَتْ تَعَدِّيهِ بِجَمِيعِ الْحَفْرِ، فَكَانَ مُوجِبًا لِجَمِيعِ الضَّمَانِ. وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ، بِمَا لَوْ حَفَرَهُ فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ، فَإِنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا، وَمَعَ ذَلِكَ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ. وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فِي الْحَفْرِ دُونَ بَعْضٍ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا حَفَرَ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ; لِكَوْنِهِ لَا يُبَاحُ الْحَفْرُ وَلَا التَّصَرُّفُ حَتَّى يَأْذَنَ الْجَمِيعُ.

(6876) فَصْلٌ: وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ إنْسَانٍ، أَوْ وَضَعَ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ، فَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: يَبْرَأُ ; لِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ أَذِنَ فِيهِ ابْتِدَاءً لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، فَإِذَا أَبْرَأَهُ مِنْ الضَّمَانِ، وَأَذِنَ فِيهِ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ اقْتَرَنَ الْإِذْنُ بِالْحَفْرِ. وَالْآخَرُ، لَا يَنْتَفِي عَنْهُ الضَّمَانُ ; لِأَنَّهُ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِالْإِبْرَاءِ، كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ، وَلِأَنَّ حُصُولَ الضَّمَانِ بِهِ لِكَوْنِهِ تَعَدَّى بِحَفْرِهِ، وَالْإِبْرَاءُ لَا يُزِيلُ ذَلِكَ، لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ عَنْ الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ لَيْسَ يَحِقُّ لِلْمَالِكِ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَيْرُ الْمَالِكِ، وَلِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ، فَلَمْ يَصِحّ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ.

(6877) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَحَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَعَلِمَ الْأَجِيرُ ذَلِكَ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ، وَلَيْسَ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، فَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ فَقَتَلَ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّهُ غَرَّهُ، فَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ، كَالْإِثْمِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا، أَوْ لِيَبْنِيَ لَهُ فِيهَا بِنَاءً، فَتَلِفَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ، لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُسْتَأْجِرُ، وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْبِئْرُ جُبَارٌ} . وَلِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَ الْأَجِيرُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ فِعْلًا أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ تَبَرُّعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ عَبْدًا اسْتَأْجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ صَبِيًّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، فَيَضْمَنَهُ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاسْتِعْمَالِهِ، مُتَسَبِّبٌ إلَى إتْلَافِ حَقِّ غَيْرِهِ.

(6878) فَصْلٌ: فَإِنْ حَفَرَ إنْسَانٌ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا، فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ، فَهَلَكَ بِهِ، وَكَانَ الدَّاخِلُ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ ; لِأَنَّهُ لَا عُدْوَانَ مِنْهُ. وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ، وَالْبِئْرُ بَيِّنَةٌ مَكْشُوفَةٌ، وَالدَّاخِلُ بَصِيرٌ يُبْصِرُهَا، فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ الَّذِي أَهْلَك نَفْسَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُدِّمَ إلَيْهِ سَيْفٌ، فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ أَعْمَى، أَوْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُبْصِرُهَا الدَّاخِلُ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهَا، فَلَمْ يَعْلَمْ الدَّاخِلُ بِهَا حَتَّى وَقَعَ فِيهَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ. وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَضْمَنُهُ ; لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ، فَضَمِنَهُ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَسْمُومًا فَأَكَلَهُ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ. وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت