وَنَاصِبُ السِّكِّينِ ; لِأَنَّ فِعْلَهُمَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ فِعْلِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ زِقٌّ فِيهِ مَائِعٌ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَحَلَّ وِكَاءَهُ إنْسَانٌ، وَأَمَالَهُ آخَرُ، فَسَالَ مَا فِيهِ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْآخِرِ مِنْهُمَا. وَإِنْ وَضَعَ إنْسَانٌ حَجَرًا أَوْ حَدِيدَةً فِي مِلْكِهِ، أَوْ حَفَرَ فِيهِ بِئْرًا، فَدَخَلَ إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَلَكَ بِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَالِكِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ هَلَكَ بِعُدْوَانِ نَفْسِهِ، وَإِنْ وَضَعَ حَجَرًا فِي مِلْكِهِ، وَنَصَبَ أَجْنَبِيٌّ فِيهِ سِكِّينًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَعَثَرَ رَجُلٌ بِالْحَجَرِ، فَوَقَعَ عَلَى السِّكِّينِ أَوْ فِي الْبِئْرِ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَنَاصِبِ السِّكِّينِ، لِتَعَدِّيهِمَا، إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الضَّمَانُ بِوَاضِعِ الْحَجَرِ ; لِانْتِفَاءِ عُدْوَانِهِ.
وَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي عُدْوَانٍ تَلِفَ بِهِ شَيْءٌ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ وَضَعَ اثْنَانِ حَجَرًا، وَوَاحِدٌ حَجَرًا، فَعَثَرَ بِهِمَا إنْسَانٌ، فَهَلَكَ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ أَثْلَاثًا، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ; لِأَنَّ السَّبَبَ حَصَلَ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا، فَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَفْعَالُهُمْ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ جُرْحَيْنِ، وَجَرَحَهُ اثْنَانِ جُرْحَيْنِ، فَمَاتَ بِهِمَا.
وَقَالَ زُفَرُ: عَلَى الِاثْنَيْنِ النِّصْفُ، وَعَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ وَحْدَهُ النِّصْفُ ; لِأَنَّ فِعْلَهُ مُسَاوٍ لَفِعْلِهِمَا. وَإِنْ حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا، وَنَصَبَ آخَرُ سِكِّينًا، فَوَقَعَ إنْسَانٌ فِي الْبِئْرِ عَلَى السِّكِّينِ، فَمَاتَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ. وَهَذَا قِيَاسُ الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَنَصَّ أَحْمَدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْمُمْسِكِ وَالْقَاتِلِ، الْحَافِرُ كَالْمُمْسِكِ، وَنَاصِبُ السِّكِّينِ كَالْقَاتِلِ، فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ.
(6873) فَصْلٌ: وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِحَفْرِهَا. وَإِنْ حَفَرَهَا فِي مَوَاتٍ، لَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِحَفْرِهَا. وَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ نَصَبَ شَرَكًا، أَوْ شَبَكَةً، أَوْ مِنْجَلًا، لِيَصِيدَ بِهَا.
وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَنْ هَلَكَ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ. وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ الْإِذْنُ فِيمَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ لَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ ; لِتَعَدِّيهِ. وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا، فَحَفَرَ فِي مَكَان مِنْهَا مَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ; كَذَلِكَ. وَإِنْ حَفَرَ فِي مَوْضِعٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ، نَظَرْنَا ; فَإِنْ حَفَرَهَا لِنَفْسِهِ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا، سَوَاءٌ حَفَرَهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ حَفَرَهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لَمْ يَضْمَنْ ; لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي الِانْتِفَاعِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ فِيهِ، وَيُقْطِعَهُ لِمَنْ يَبِيعُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَلِفَ بِحَفْرِ حُفْرَةٍ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ، بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ، لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِمْ، فَضَمِنَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا يَأْذَنُ فِي الْقُعُودِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُومُ، وَتُمْكِنُ إزَالَتُهُ فِي الْحَالِ، فَأَشْبَهَ الْقُعُودَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّ الْقُعُودَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ الْحَفْرِ. وَإِنْ حَفَرَ الْبِئْرَ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ، مِثْلُ أَنْ يَحْفِرَهُ لِيَنْزِلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ مِنْ الطَّرِيقِ، أَوْ لِتَشْرَبَ مِنْهُ الْمَارَّةُ، وَنَحْوُهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِفِعْلِهِ، غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِحَفْرِهِ، فَأَشْبَهَ بَاسِطَ الْحَصِيرِ فِي الْمَسْجِدِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا: لَا يَضْمَنُ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ: إذَا أَحْدَثَ بِئْرًا لِمَاءِ الْمَطَرِ، فَفِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، أَرْجُو أَنْ لَا يَضْمَنَ