وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الدِّيَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى ضَمَانِ الْأَمْوَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ.
وَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ جِنَايَةٍ عَلَى حُرٍّ تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ فَحَمَلَتْهَا الْعَاقِلَةُ، كَدِيَةِ النَّفْسِ، وَلِأَنَّهُ كَثِيرٌ يَجِبُ ضَمَانًا لَحُرٍّ أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا. وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا جَنَى عَلَى الْأَطْرَافِ بِمَا يُوجِبُ الدِّيَةَ، أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهَا.
(6802) فَصْلٌ: وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْمَرْأَةِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهَا. وَتَحْمِلُ مِنْ جِرَاحِهَا مَا بَلَغَ أَرْشُهُ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ كَدِيَةِ أَنْفِهَا، وَمَا دُونَ ذَلِكَ كَدِيَةِ يَدِهَا، لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي دِيَةِ الْكِتَابِيِّ. وَلَا تَحْمِلُ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ; لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلُثِ، وَلَا دِيَةَ الْجَنِينِ إنَّ مَاتَ مُنْفَرِدًا، أَوْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ دُونَ الثُّلُثِ. وَإِنْ مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، حَمَلَتْهُمَا الْعَاقِلَةُ. نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ دِيَتِهِمَا حَصَلَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ، مَعَ زِيَادَتِهِمَا عَلَى الثُّلُثِ، فَحَمَلَتْهُمَا الْعَاقِلَةُ كَالدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ.
(6803) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْجَانِي ذِمِّيًّا، فَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ مِنْ أَهْلِ دِيَتِهِ الْمُعَاهَدِينَ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَفِي الْأُخْرَى، لَا يَتَعَاقَلُونَ ; لِأَنَّ الْمُعَاقَلَةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، وَمَعُونَةً لَهُ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْكَافِرُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَعْظَمُ حُرْمَةً، وَأَحَقُّ بِالْمُوَاسَاةِ وَالْمَعُونَةِ مِنْ الذِّمِّيِّ، وَلِهَذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاةً لِفُقَرَائِهِمْ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِفُقَرَائِهِمْ، فَتَبْقَى فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ عَلَى الْأَصْلِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ، كَعَصَبَةِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ عَصَبَتُهُ الْمُسْلِمُونَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ، وَلَا الْحَرْبِيُّونَ ; لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ وَالنُّصْرَةَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَهُمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ ; إذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ يَرِثُونَهُ. لِأَنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ، يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَلَا يَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، عَنْ يَهُودِيٍّ ; لِأَنَّهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنهمْ، وَهُمْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَاقَلَا، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَوَارُثِهِمَا.
(6804) فَصْلٌ: وَإِنْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ، أَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ، وَقُلْنَا: إنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ. عَقَلَ عَنْهُ عَصَبَتُهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ. وَهَلْ يَعْقِلُ عَنْهُ الَّذِينَ انْتَقَلَ عَنْ دِينِهِمْ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقَرُّ. لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ أَحَدٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ فَيَعْقِلَ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ، وَلَا ذِمِّيٍّ فَيَعْقِلَ عَنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَتَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي مَالِهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا تَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ جِنَايَتَهُ، يَكُونُ مُوجَبُهَا فِي مَالِهِ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ.
(6805) فَصْلٌ: وَلَوْ رَمَى ذِمِّيٌّ صَيْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ، لَمْ يَعْقِلْهُ الْمُسْلِمُونَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَالَ رَمْيِهِ، وَلَا الْمُعَاهَدُونَ ; لِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَيَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي. وَهَكَذَا لَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إنْسَانًا، لَمْ يَعْقِلْهُ أَحَدٌ. وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ، وَكَانَ أَرْشُ جِرَاحِهِ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، فَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمَا زَادَ عَلَى أَرْشِ الْجُرْحِ لَا يَحْمِلُهُ أَحَدٌ، وَيَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي ; لِمَا