فهرس الكتاب

الصفحة 2943 من 3896

تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ وَالْكَفَّارَةُ، فَحَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ بَدَلَهُ، كَالْحُرِّ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي دِيَةِ أَطْرَافِهِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا.} وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ قِيمَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، كَسَائِرِ الْقِيَمِ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ قِيمَةَ أَطْرَافِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِهِ، كَالْفَرَسِ. وَبِهَذَا فَارَقَ الْحُرَّ.

(6795) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ، أَوْ لَا يَجِبُ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ دِيَةَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ بِكُلِّ حَالٍ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهَا تَحْمِلُ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا، كَالْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ. وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ ; لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا، أَشْبَهَتْ جِنَايَةَ الْخَطَأِ.

وَلَنَا، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةُ عَمْدٍ، فَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، كَالْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ، وَجِنَايَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ، وَلِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْخَطَأِ، لِكَوْنِ الْجَانِي مَعْذُورًا، تَخْفِيفًا عَنْهُ، وَمُوَاسَاةً لَهُ، وَالْعَامِدُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ وَلَا الْمُعَاوَنَةَ، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الْمُقْتَضِي. وَبِهَذَا فَارَقَ الْعَمْدُ الْخَطَأَ. ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ، فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ.

(6796) فَصْلٌ: وَإِنْ اقْتَصَّ بِحَدِيدَةٍ مَسْمُومَةٍ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ مَحْضٍ، أَشْبَهَ عَمْدَ الْخَطَأِ. وَالثَّانِي: لَا تَحْمِلُهُ ; لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِآلَةٍ يَقْتُلُ مِثْلُهَا غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا قِصَاصَ لَهُ. وَلَوْ وَكَّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، فَقَتَلَهُ الْوَكِيلُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَفْوِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهُ عَمَدَ قَتْلَهُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد الْجِنَايَةَ، وَمِثْلُ هَذَا يُعَدُّ خَطَأً، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا، فَإِنَّهُ عَمَدَ قَتْلَهُ، وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَأِ. وَهَذَا أَصَحُّ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.

(6797) فَصْلٌ: وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا تَحْمِلُهُ ; لِأَنَّهُ عَمْدٌ يَجُوزُ تَأْدِيبُهُمَا عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ مِنْ الْبَالِغِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا كَمَالُ الْقَصْدِ، فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، لِأَجْلِ الْعُذْرِ، فَأَشْبَهَ الْخَطَأَ وَشِبْهَ الْعَمْدِ. وَبِهَذَا فَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ.

(6798) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الصُّلْحَ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ، فَيُنْكِرَهُ وَيُصَالِحَ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِمُصَالَحَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ، كَاَلَّذِي ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يُصَالِحَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إلَى الدِّيَةِ. وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ هَذَا عَمْدٌ، فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ بِذِكْرِ الْعَمْدِ. وَمِمَّنْ قَالَ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ. ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت