فَصْلٌ: وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَضَى بِدِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ عَمْدِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ، وَدِيَةَ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ إيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ، وَالْإِعَانَةِ لَهُ، تَخْفِيفًا عَنْهُ، إذْ كَانَ مَعْذُورًا فِي فِعْلِهِ، وَيَنْفَرِدُ هُوَ بِالْكَفَّارَةِ.
(6788) فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهَا مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ; فَإِنَّ عُمَرَ، وَعَلِيًّا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، جَعَلَا دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا، وَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، فَلَمْ يَجِبْ حَالًّا كَالزَّكَاةِ، وَكُلُّ دِيَةٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، تَجِبُ مُؤَجَّلَةً ; لِمَا ذَكَرْنَا، وَمَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ حَالًّا، لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ، فَلَزِمَ الْمُتْلِفَ حَالًّا، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَفَارَقَ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ; فَإِنَّهُ يَجِبُ مُوَاسَاةً، فَأُلْزِمَ التَّأْجِيلُ تَخْفِيفًا عَلَى مُتَحَمِّلِهِ، وَعَدَلَ بِهِ عَنْ الْأَصْلِ فِي التَّأْجِيلِ، كَمَا عَدَلَ بِهِ عَنْ الْأَصْلِ فِي إلْزَامِهِ غَيْرِ الْجَانِي.
(6789) فَصْلٌ: وَلَا يَلْزَمُ الْقَاتِلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ ; لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ إعَانَةً لَهُ، فَلَا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِيهَا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا،} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَضَى بِجَمِيعِهَا عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ تَلْزَمْهُ الدِّيَةُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَعْضُهَا، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِقَتْلِ رَجُلٍ، فَقَتَلَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بِحَقٍّ، فَبَانَ مَظْلُومًا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ الْقَاتِلَ فِي مَالِهِ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إيجَابِ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَيْهِ.
(6790) فَصْلٌ: وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لَا يَدْخُلُهَا تَحَمُّلٌ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهَا تَكْثُرُ، فَإِيجَابُهَا فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهَا، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ صَوْمًا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ شُرِعَتْ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ الْجَانِي، وَلَا يُكَفَّرُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَيُفَارِقُ الدِّيَةَ، فَإِنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِجَبْرِ الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهَا كَيْفَمَا كَانَ ; وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْقَاتِلَةِ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الدِّيَةِ لَوُجُوهٍ ; أَحَدُهَا، أَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَجِبْ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهَا إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ. الثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ كَثِيرَةٌ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْقَاتِلِ يُجْحِفُ بِهِ، وَالْكَفَّارَةُ بِخِلَافِهَا.