فهرس الكتاب

الصفحة 2905 من 3896

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ: إنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَأَعْطَاهُ نِصْفَ دِيَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً. وَقَالَ مَسْرُوقٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَابْنُ مُغَفَّلٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَهُ الْقِصَاصُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

وَإِنْ عَفَا، فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} . وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةَ. وَلِأَنَّهَا إحْدَى شَيْئَيْنِ فِيهِمَا الدِّيَةُ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ مِمَّنْ لَهُ وَاحِدَةٌ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَقْطَعُ يَدَ مَنْ لَهُ يَدَانِ. وَلَنَا، قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمَا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَا عَيْنَيْنِ. وَأَمَّا إذَا قَطَعَ يَدَ الْأَقْطَعِ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ، وَمَعَ التَّسْلِيمِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ يَدَ الْأَقْطَعِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْيَدَيْنِ فِي النَّفْعِ الْحَاصِلِ بِهِمَا، بِخِلَافِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ، فَإِنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ بِالْعَيْنَيْنِ حَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِصَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ، يَثْبُتُ فِي الْأَعْوَرِ مِثْلُهُ ; وَلِهَذَا صَحَّ عِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَ الْأَقْطَعِ.

فَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ كَامِلَةً عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَلِأَنَّهُ لَمَّا دُفِعَ عَنْهُ الْقِصَاصُ مَعَ إمْكَانِهِ لِفَضِيلَتِهِ، ضُوعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ، كَالْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَمْدًا. وَلَوْقَلَعَ الْأَعْوَرُ إحْدَى عَيْنَيْ الصَّحِيحِ خَطَأً، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ ; لِعَدَمِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِتَضْعِيفِ الدِّيَةِ.

(6706) فَصْلٌ: وَلَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ مِثْلِهِ، فَفِيهِ الْقِصَاصُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِتَسَاوِيهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ مِثْلَ الْعَيْنِ، فِي كَوْنِهَا يَمِينًا أَوْ يَسَارًا. وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ، فَلَهُ جَمِيعُهَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَلَعَهَا خَطَأً، أَوْ عَفَا بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ.

(6707) فَصْلٌ: وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيْ صَحِيحٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ جَمِيعَ بَصَرِهِ، فَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ، فَلَهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ} . وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْقِصَاصُ، فَلَمْ تَتَضَاعَفْ الدِّيَةُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدَ صَحِيحٍ، أَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ، أَوْ يَدُ الْقَاطِعِ أَنْقَصَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَقْتَضِي الْفِقْهُ أَنْ يَلْزَمَهُ دِيَتَانِ، إحْدَاهُمَا لِلْعَيْنِ الَّتِي تُقَابِلُ عَيْنَهُ، وَالدِّيَةُ الثَّانِيَة لِأَجْلِ الْعَيْنِ النَّاتِئَةِ ; لِأَنَّهَا عَيْنُ أَعْوَرَ. وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلنُّصُوصِ، وَأَصَحُّ فِي الْمَعْنَى.

(6708) فَصْلٌ: وَإِنْ قَلَعَ صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ عَيْنَ أَعْوَرَ، فَلَهُ الْقِصَاصُ مِنْ مِثْلِهَا، وَيَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ، وَأَذْهَبَ الضَّوْءَ الَّذِي بَدَلُهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِ الضَّوْءِ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَخْذُ عَيْنَيْنِ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَخْذُ يَمِينٍ بِيُسْرَى، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِ نِصْفِ الضَّوْءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، أَوْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدًا صَحِيحَةً، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ هَاهُنَا غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا بَدَلٌ، كَزِيَادَةِ الصَّحِيحَةِ عَلَى الشَّلَّاءِ، هَذَا مَعَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت