فهرس الكتاب

الصفحة 2895 من 3896

الْمَحْضِ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ ذَلِكَ ; لِعُمُومِ الْآيَةِ. الثَّانِي: التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَارِحِ وَالْمَجْرُوحِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي يُقَادُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَهُ، كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَهُ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ، وَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ، وَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ ; لِأَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ نَفْسُهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ، وَلَا يُجْرَحُ بِجُرْحِهِ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْتَأْمِنِ. الثَّالِثُ: إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} . وَقَالَ: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} .

وَلِأَنَّ دَمَ الْجَانِي مَعْصُومٌ إلَّا فِي قَدْرِ جِنَايَتِهِ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَبْقَى عَلَى الْعِصْمَةِ، فَيَحْرُمُ اسْتِيفَاؤُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، كَتَحْرِيمِهِ قَبْلَهَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْقِصَاصِ ; لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ، فَلَا يُمْكِنُ الْمَنْعُ مِنْهَا إلَّا بِالْمَنْعِ مِنْهُ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ. وَمِمَّنْ مَنَعَ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ الْحَسَنُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَمَنَعَهُ فِي الْعِظَامِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْجُرْحَ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، هُوَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ، كَالْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ خِلَافًا، وَهِيَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ هَاهُنَا، لَسَقَطَ حُكْمُ الْآيَةِ، وَفِي مَعْنَى الْمُوضِحَةِ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ فِيمَا سِوَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، كَالسَّاعِدِ، وَالْعَضُدِ، وَالسَّاقِ، وَالْفَخِذِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا قِصَاصَ فِيهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ فِيهَا. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} . وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ، لِانْتِهَائِهَا إلَى عَظْمٍ، فَهِيَ كَالْمُوضِحَةِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْقِصَاصِ، وَلَا عَدَمُهُ مَانِعًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لِكَثْرَةِ شَيْنِهَا، وَشَرَفِ مَحَلِّهَا ; وَلِهَذَا قُدِّرَ مَا فَوْقَهَا مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ، لَا قِصَاصَ فِيهِ.

(6680) فَصْلٌ: وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالسَّيْفِ، وَلَا بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا اُسْتُوْفِيَ بِالسَّيْفِ ; لِأَنَّهُ آلَتُهُ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ شَيْءٌ يُخْشَى التَّعَدِّي إلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَوْفَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِآلَتِهِ، وَيُتَوَقَّى مَا يُخْشَى مِنْهُ الزِّيَادَةُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَلِأَنَّنَا مَنَعْنَا الْقِصَاصَ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا تُخْشَى الزِّيَادَةُ فِي اسْتِيفَائِهِ. فَلَأَنْ نَمْنَعَ الْآلَةَ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا ذَلِكَ أَوْلَى. فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً أَوْ مَا أَشْبَهَهَا، فَبِالْمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَوْفِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ، كَالْجَرَائِحِيِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ، أُمِرَ بِالِاسْتِبَانَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ أَحَدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت