طَرَفًا مِنْ جُمْلَةٍ اسْتَحَقَّ إتْلَافَهَا، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ يَدٍ يَسْتَحِقُّ قَطْعَهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا لَهُ قِيمَةٌ حَالَ الْقَطْعِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ قَطَعَهُ، أَوْ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَجْنَبِيٌّ. فَأَمَّا إنْ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَهُ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ إذَا عَفَا عَنْهُ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مُتَعَدِّيًا ثُمَّ قَتَلَ، لَمْ يَضْمَنْ الطَّرَفَ، فَلَأَنْ يَضْمَنَهُ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مُسْتَحَقًّا أَوْلَى. فَأَمَّا الْقِصَاصُ، فَلَا يَجِبُ فِي الْعُرْفِ بِحَالٍ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالشُّبْهَةُ هَاهُنَا مُتَحَقِّقَةٌ، لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لِإِتْلَافِ هَذَا الطَّرَفِ ضِمْنًا لِاسْتِحْقَاقِهِ إتْلَافَ الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ أَنْ لَا تَجِبَ الدِّيَةُ، بِدَلِيلِ امْتِنَاعِهِ لِعَدَمِ الْمُكَافَآتِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى. وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا غَيْرَ الَّذِي قَطَعَهُ الْجَانِي، كَانَ الْجَانِي قَطَعَ يَدَهُ ; فَقَطَعَ الْمُسْتَوْفِي رِجْلَهُ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ; لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَلْزَمَهُ دِيَةُ الرِّجْلِ ; لِأَنَّ الْجَانِيَ لَمْ يَقْطَعْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ.
(6657) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الطَّرَفِ، مِثْلُ أَنْ اسْتَحَقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ، فَقَطَعَ اثْنَتَيْنِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَاطِعِ ابْتِدَاءً، إنْ كَانَ عَمْدًا مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ شَجَّةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقِصَاصُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ جُرْحًا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، مِثْلُ مَنْ يَسْتَحِقُّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَهَا هَاشِمَةً، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ الْجَانِي، كَاضْطِرَابِهِ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ ; لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْجَانِي. فَإِنْ اخْتَلَفَا هَلْ فَعَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنْ الْخَطَأُ فِيهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ، وَإِنْ قَالَ الْمُقْتَصُّ: حَصَلَ هَذَا بِاضْطِرَابِك، أَوْ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِك. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
فَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ إلَى نَفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ، فَمَاتَ، أَوْ إلَى بَعْض أَعْضَائِهِ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ إصْبَعَهُ، فَسَرَى إلَى جَمِيعِ يَدِهِ، أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ، أَوْ فِي حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ، فَسَرَى، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى الْمُقْتَصِّ نِصْفُ الدِّيَةِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلَيْنِ ; جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ، وَمَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ، فَانْقَسَمَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَجُرْحًا بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَمَاتَ مِنْهُمَا. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُ السِّرَايَةِ كُلِّهَا، فِيمَا إذَا اقْتَصَّ بِآلَةِ مَسْمُومَةٍ أَوْ كَالَّةٍ ; لِأَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مُحَرَّمٌ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْإِصْبَعَيْنِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا مُبَاحٌ.
(6658) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ. وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَيَحْرُمُ الْحَيْفُ فِيهِ، فَلَا يُؤْمَنُ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي.
فَإِنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ، وَقَعَ الْمَوْقِعَ، وَيُعَزَّرُ ; لِافْتِيَاتِهِ بِفِعْلِ مَا مُنِعَ فِعْلُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ، إذَا كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ; لِأَنَّ {رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يَقُودُهُ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: إنَّ هَذَا قَتَلَ أَخِي. فَاعْتَرَفَ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، فَاقْتُلْهُ} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ. وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ حُضُورِ السُّلْطَانِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ