فهرس الكتاب

الصفحة 2877 من 3896

الْأَجْنَبِيِّ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ الْأَبِ غَيْرُ مُوجِبٍ ; فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لِكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَالْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ إثْمًا، وَأَكْثَرُ جُرْمًا ; وَلِذَلِكَ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّهْيِ عَنْهُ، فَقَالَ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ} . ثُمَّ قَالَ: {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} . وَلَمَّا {سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَعْظَمِ الذَّنْبِ، قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك، ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَك} . فَجَعَلَهُ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَلِأَنَّهُ قَطَعَ الرَّحِمَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِلَتِهَا، وَوَضَعَ الْإِسَاءَةَ مَوْضِعَ الْإِحْسَانِ، فَهُوَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْأَبِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالْمَحَلِّ، لَا لِقُصُورٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَمَلُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا مَانِعَ فِيهِ، وَأَمَّا شَرِيكُ الْخَاطِئِ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ، وَمَعَ التَّسْلِيمِ فَامْتِنَاعُ الْوُجُوبِ فِيهِ لِقُصُورِ السَّبَبِ عَنْ الْإِيجَابِ، فَإِنَّ فِعْلَ الْخَاطِئِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ، وَلَا صَالِحٍ لَهُ وَالْقَتْلُ مِنْهُ وَمِنْ شَرِيكِهِ غَيْرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا ; لِوُقُوعِ الْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ زَهُوقُ النَّفْسِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

(6638) فَصْلٌ: وَكُلُّ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ فِي السَّبَبِ فَهُوَ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ كَالْأَبِ وَشَرِيكِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي قَتْلِ عَبْدٍ، عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْحُرِّ، وَيَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْعَبْدِ، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ ; لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ، وَعَنْ الْحُرِّ لِحُرِّيَّتِهِ، وَانْتِقَاءِ مُكَافَأَةِ الْمَقْتُولِ لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى إلَى فِعْلِهِ، وَلَا إلَى شَرِيكِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ عَنْهُ. وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: سَأَلْت أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ قَتَلَا عَبْدًا عَمْدًا، قَالَ: أَمَّا الْحُرُّ فَلَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ، وَالْعَبْدُ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَسْلَمَهُ، وَإِلَّا فَدَاهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى الْعَبْدِ، فَيُخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَتْلٍ شَارَكَ فِيهِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.

(6639) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَبَالِغٌ، لَمْ يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَعَلَى الْعَاقِلِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَعِتْقُ رَقَبَتَيْنِ فِي أَمْوَالِهِمَا ; لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ)

أَمَّا إذَا شَارَكُوا فِي الْقَتْلِ مَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ ; كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.

وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ. حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَحَمَّادٍ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءً لِفِعْلِهِ، فَمَتَى كَانَ فِعْلُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ، وَلَا نَنْظُرُ إلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ، وَذَلِكَ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ. فَعَلَى هَذَا، يُعْتَبَرُ فِعْلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت