وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ، فَلَمْ يُفْسَخْ النِّكَاحُ لِلْإِعْسَارِ بِهِ، كَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ مُجْحِفٌ، فَأَشْبَهَ نَفَقَةَ الْخَادِمِ وَالنَّفَقَةَ الْمَاضِيَةَ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ كُلُّ مَقْصُودِ الْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ، وَالصَّدَاقُ فَضْلَةٌ وَنِحْلَةٌ، لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِهِ، وَلَا بِتَرْكِ ذِكْرِهِ، وَالْعَادَةُ تَأْخِيرُهُ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَشْتَرِي بِثَمَنٍ حَالٍّ يَكُونُ مُوسِرًا بِهِ، وَلَيْسَ الْأَكْثَرُ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِمَهْرٍ يَكُونُ مُوسِرًا بِهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النَّفَقَةِ ; لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِهَا، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ، فَأَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ النَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ. وَلِلشَّافِعِيِّ نَحْوُ هَذِهِ الْوُجُوهِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَهَا الْفَسْخُ لِلْإِعْسَارِ بِهِ. فَتَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَتْ عُسْرَتَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْفَسْخِ، لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَسَقَطَ كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ.
(6484) فَصْلٌ: وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ حَقٌّ لَهَا وَلِسَيِّدِهَا ; لِأَنَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَبُهَا إنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ أَدَائِهَا، وَلَا يَمْلِكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إسْقَاطَهَا ; لِأَنَّ فِي سُقُوطِهَا بِإِسْقَاطِ أَحَدِهِمَا ضَرَرًا بِالْآخَرِ. وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِهَا، فَلَهَا الْفَسْخُ ; لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا، فَمَلَكَتْ الْفَسْخَ، كَالْحُرَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ، فَقَالَ الْقَاضِي: لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ ; لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي عَدَمِهَا، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِهَا مِنْ فَوَاتِ مِلْكِهِ وَتَلَفِهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ، رَضِيَتْ بِذَلِكَ أَوْ كَرِهَتْ ; لِأَنَّ الدَّيْنَ خَالِصُ حَقِّهِ، لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِالنَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ، لِوُجُوبِ صَرْفِهَا إلَيْهَا، وَقِوَامِ بَدَنِهَا بِهَا، بِخِلَافِ الْمَاضِيَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّاب، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ لِعُسْرَةِ زَوْجِهَا بِالنَّفَقَةِ ; لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهَا الْفَسْخَ دُونَهَا، كَالْفَسْخِ لِلْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْتُوهَةً، أَنْفَقَ الْمَوْلَى، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ عَاقِلَةً قَالَ لَهَا السَّيِّدُ: إنْ أَرَدْت النَّفَقَةَ، فَافْسَخِي النِّكَاحَ، وَإِلَّا فَلَا نَفَقَةَ لَك عِنْدِي.
(6485) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، أَوْ فِي تَقْبِيضِهَا نَفَقَتَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْأَصْلُ مَعَهَا. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّمْكِينِ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ، أَوْ فِي وَقْتِهِ، فَقَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَهْرٍ. فَقَالَ: بَلْ مِنْ يَوْمٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي يَسَارِهِ فَادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ لِيَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ، أَوْ قَالَتْ: كُنْت مُوسِرًا. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي فَرْضِ الْحَاكِمِ لِلنَّفَقَةِ، أَوْ فِي وَقْتِهَا، فَقَالَ: فَرَضَهَا مُنْذُ شَهْرٍ. فَقَالَتْ: بَلْ مُنْذُ عَامٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مُقِيمًا مَعَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ. وَلَنَا، أَنَّ قَوْلَهُ يُوَافِقُ الْأَصْلَ، فَقُدِّمَ، كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا مَعَهَا، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ; لِأَنَّهَا دَعَاوَى فِي الْمَالِ، فَأَشْبَهَتْ دَعْوَى الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.} وَإِنْ دَفَعَ الزَّوْجُ إلَى امْرَأَتِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً، أَوْ بَعَثَ بِهِ إلَيْهَا فَقَالَتْ إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ تَبَرُّعًا وَهِبَةً. وَقَالَ: بَلْ وَفَاءً لِلْوَاجِبِ عَلَيَّ. فَالْقَوْلُ