فهرس الكتاب

الصفحة 2807 من 3896

الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَعَ يَسَارِهِ ; فَإِنْ قَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهَا، وَلَا خِيَارَ لَهَا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ هِنْدًا بِالْأَخْذِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا الْفَسْخَ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ، رَافَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ، فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ، وَيُجْبِرُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ، فَإِنْ صَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ، أَخَذَ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا، بَاعَهَا فِي ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّفَقَةُ فِي مَالِهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَلَا يَبِيعُ عَرْضًا إلَّا بِتَسْلِيمٍ ; لِأَنَّ بَيْعَ مَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الرَّشِيدِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ"خُذِي مَا يَكْفِيك". وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ لَهُ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُ النَّفَقَةُ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلِلْحَاكِمِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ، بِدَلِيلِ وِلَايَته عَلَى دَرَاهِمِهِ وَدَنَانِيرِهِ.

وَإِنْ تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، وَلَهُ وَكِيلٌ، فَحُكْمُ وَكِيلِهِ حُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْأَخْذِ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ، وَلَمْ تَقْدِرْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْأَخْذِ، أَخَذَ لَهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ عَقَارِهِ وَعُرُوضِهِ فِي ذَلِكَ، إذَا لَمْ تَجِدْ مَا تُنْفِقُ سِوَاهُ. وَيُنْفِقُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَوْمًا بِيَوْمٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَفْرِضُ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا تَعْجِيلٌ لِلنَّفَقَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةً زِيَادَةً عَلَى شَهْرٍ.

(6474) فَصْل: وَإِنْ غَيَّبَ مَالُهُ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْحَاكِمُ لَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارِ أَبِي الْخَطَّابِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ فِي الْمُعْسِرِ لِعَيْبِ الْإِعْسَارِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا، وَلِأَنَّ الْمُوسِرَ فِي مَظِنَّةِ إمْكَانِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ، وَإِذَا امْتَنَعَ فِي يَوْمٍ، فَرُبَّمَا لَا يَمْتَنِعُ فِي الْغَدِ، بِخِلَافِ الْمُعْسِرِ.

وَلَنَا، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا. وَهَذَا إجْبَارٌ عَلَى الطَّلَاقِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ، وَلِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ مُتَعَذِّرٌ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ، كَحَالِ الْإِعْسَارِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ الْفَسْخُ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ فِي الصَّبْرِ ضَرَرًا أَمْكَنَ إزَالَتُهُ بِالْفَسْخِ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهُ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَعَذُّرٍ يَجُوزُ الْفَسْخُ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْن الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ الْفَسْخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا، وَبَيْنَ أَنْ يَهْرُبَ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ، وَعَيْبُ الْإِعْسَارِ إنَّمَا جَوَّزَ الْفَسْخَ لِتَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَرَضَ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا، أَوْ تَبَرَّعَ لَهُ إنْسَانٌ بِدَفْعِ مَا يُنْفِقُهُ لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْفِقَ فِيمَا بَعْدَ هَذَا. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ الْمُعْسِرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُغْنِيَهُ اللَّهُ، وَأَنْ يَقْتَرِضَ، أَوْ يُعْطَى مَا يُنْفِقُهُ، فَاسْتَوَيَا.

(6475) فَصْلٌ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مَكَانَ نَفَقَتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ أَيِّ أَمْوَالِهِ شَاءَ، وَهَذَا مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْفَاضِلِ مِنْ قُوتِهِ، وَهَذَا لَا يَفْضُلُ عَنْهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت