وَأَمَّا تَأْوِيلُ مِنْ تَأَوَّلَ حَدِيثَهَا، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهَا تُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ أَعْلَمُ بِحَالِهَا، وَلَمْ يَتَّفِقْ الْمُتَأَوِّلُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَقَدْ رُدَّ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَيْهَا، فَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، لَمَّا قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ: لَئِنْ كَانَتْ إنَّمَا أَخَذَتْ بِمَا أَفْتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَتَنَتْ النَّاسَ، وَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةً حَسَنَةً، مَعَ أَنَّهَا أَحْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، وَلَا بَيْنهمَا مِيرَاثٌ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ: إنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَان وَحْشٍ. لَا يَصِحُّ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: {يَا ابْنَةَ آلِ قَيْسٍ، إنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا كَانَ لِزَوْجِك عَلَيْك الرَّجْعَةُ} . هَكَذَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَالْأَثْرَمُ. وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ التَّأْوِيلِ، مَا احْتَاجَ عُمَرُ فِي رَدِّهِ إلَى أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ قَوْلُ امْرَأَةٍ.
ثُمَّ فَاطِمَةُ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ، وَهِيَ أَعْرَفُ بِنَفْسِهَا وَبِحَالِهَا، وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا، وَرَدَّتْ عَلَى مِنْ رَدَّ خَبَرَهَا، أَوْ تَأَوَّلَهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهَا ; لِمَعْرِفَتِهَا بِنَفْسِهَا، وَمُوَافَقَتِهَا ظَاهِرَ الْخَبَرِ، كَمَا فِي سَائِرِ مَا هَذَا سَبِيلُهُ.
(6403) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَسْكُنُهُ فِي الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: لَهَا السُّكْنَى. أَوْ لَمْ نَقُلْ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْن إقْرَارِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ، وَبَيْنَ نَقْلِهَا إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا، وَالْمُسْتَحَبُّ إقْرَارُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيِّنَةٍ} .
وَلِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الَّذِينَ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى، يَرَوْنَ وُجُوبَ الِاعْتِدَادِ عَلَيْهَا فِي مَنْزِلِهَا، فَإِنْ كَانَتْ فِي بَيْتٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ سُكْنَاهُ، وَيَصْلُحُ لِمِثْلِهَا، اعْتَدَّتْ فِيهِ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا، انْتَقَلَ عَنْهَا وَتَرَكَهُ لَهَا ; لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ سُكْنَاهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْمَوْضِعُ لَهُمَا، وَفِي الدَّارِ مَوْضِعٌ لَهَا مُنْفَرِدٌ كَالْحُجْرَةِ أَوْ عُلْوِ الدَّارِ أَوْ سُفْلِهَا، وَبَيْنهمَا بَابٌ مُغْلَقٌ، سَكَنَتْ فِيهِ، وَسَكَنَ الزَّوْجُ فِي الْبَاقِي، لِأَنَّهُمَا كَالْحُجْرَتَيْنِ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا بَابٌ مُغْلَقٌ، لَكِنَّ لَهَا مَوْضِعٌ تَتَسَتَّرُ فِيهِ، بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا، وَمَعَهَا مَحْرَمٌ تَتَحَفَّظُ بِهِ، جَازَ ; لِأَنَّ مَعَ الْمُحْرِمِ يُؤْمَنُ الْفَسَادُ، وَيُكْرَهُ فِي الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ النَّظَرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ، لَمْ يَجُزْ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ ; فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ} وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إسْكَانِهَا، وَكَانَتْ مِمَّنْ لَهَا عَلَيْهِ السُّكْنَى، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مَعْدُومًا، رَجَعَتْ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مَوْجُودًا، فَهَلْ تَرْجِعُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ الْمَسْكَنِ، فَاكْتَرَتْ لِنَفْسِهَا مَوْضِعًا، أَوْ سَكَنَتْ فِي مَوْضِعٍ تَمْلِكُهُ، لَمْ تَرْجِعْ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّهَا تَبَرَّعَتْ بِذَلِكَ فَلَمْ تَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنَّ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ إسْكَانِهَا ; لِعُسْرَتِهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ ; سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ. وَكَذَلِكَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إذَا لَمْ يُسْكِنْهَا وَرَثَتُهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا تَلْزَمُهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهِ لِتَحْصِينِ مَائِهِ، فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ، لَمْ يَلْزَمْهَا ذَلِكَ.
(6404) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا خَرَجَتْ إلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهِيَ بِالْقُرْبِ، رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا، فَإِنْ رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ، أَتَتْ بِهِ فِي مَنْزِلِهَا)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ الْوَفَاةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ، وَلَا إلَى غَيْرِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ،