فهرس الكتاب

الصفحة 2725 من 3896

قَوْلُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مُرْهُ {فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) .

وَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ عَنْ طَلَاقٍ مُجَرَّدٍ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ عَقِيبَ الطَّلَاقِ، وَكَعِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} . فَنَقَلَهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ إلَى الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْحَيْضُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} . الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ اسْتِعْمَالُ الْقُرْءِ بِمَعْنَى الْحَيْضِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَقَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: {اُنْظُرِي، فَإِذَا أَتَى قُرْؤُكِ، فَلَا تُصَلِّي، وَإِذَا مَرَّ قُرْؤُك، فَتَطَهَّرِي، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إلَى الْقُرْءِ} رَوَاهُ النَّسَائِيّ. وَلَمْ يُعْهَدْ فِي لِسَانِهِ اسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَى الطُّهْرِ فِي مَوْضِعٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي لِسَانِهِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ. فَإِنْ قَالُوا: هَذَا يَرْوِيهِ مُظَاهِرُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، فِي (سُنَنِهِ) ، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ، فِي (جَامِعِهِ) ، وَهُوَ نَصٌّ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ، فَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ.

وَلِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} . وُجُوبُ التَّرَبُّصِ ثَلَاثَةً كَامِلَةً، وَمَنْ جَعَلَ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارَ، لَمْ يُوجِبْ ثَلَاثَةً ; لِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِطُهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ، فَيُخَالِفُ ظَاهِرَ النَّصِّ، وَمَنْ جَعَلَهُ الْحَيْضَ، أَوْجَبَ ثَلَاثَةً كَامِلَةً، فَيُوَافِقُ ظَاهِرَ النَّصِّ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ اسْتِبْرَاءٌ، فَكَانَتْ بِالْحَيْضِ، كَاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَيْضُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِالْحَيْضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَ الْحَيْضَةِ. كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: قَوْلُهُمْ: إنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ حَيْضَةٌ بِإِجْمَاعٍ.

لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا، بَلْ جَائِزٌ لَهَا عِنْدَنَا أَنْ تَنْكِحَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ، وَاسْتَيْقَنَتْ أَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ، كَذَلِكَ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ إيَّاهُ. قُلْنَا: هَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ} . وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْحَيْضَةِ، لَا بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِ خَارِجٍ مِنْ الرَّحِمِ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالطُّهْرِ، كَوَضْعِ الْحَمْلِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ مَقْصُودُهَا مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْحَمْلِ، فَتَارَةً تَحْصُلُ بِوَضْعِهِ، وَتَارَةً تَحْصُلُ بِمَا يُنَافِيهِ، وَهُوَ الْحَيْضُ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ مَعَهُ.

فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ قَبْلَ عِدَّتِهِنَّ، إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ، ضَرُورَةَ أَنَّ الطَّلَاقَ سَبَقَ الْعِدَّةَ، لِكَوْنِهِ سَبَبَهَا، وَالسَّبَبُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْحُكْمِ، فَلَا يُوجَدْ قَبْلَهُ، وَالطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ تَطْلِيقٌ قَبْلَ الْعِدَّةِ إذَا كَانَتْ الْأَقْرَاءُ الْحَيْضَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت