مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّتْ دُونَ الْأَرْبَعِ مَرَّاتٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَصَدَّقَتْهُ، وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ إنْ كَانَ تَصْدِيقُهَا لَهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ اللِّعَانَ كَالْبَيِّنَةِ، إنَّمَا يُقَامُ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ، لَمْ تُلَاعِنْ هِيَ ; لِأَنَّهَا لَا تَحْلِفُ مَعَ الْإِقْرَارِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ لِعَانِهِ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ نَسَبٌ يَنْفِيهِ، فَيُلَاعِنُ وَحْدَهُ، وَيَنْتَفِي النَّسَبُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ، فَقَدْ انْتَفَى النَّسَبُ، وَلَزِمَهَا الْحَدُّ ; بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ، وَيَجِبُ الْحَدُّ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ. وَهَذِهِ الْأُصُولُ قَدْ مَضَى أَكْثَرُهَا.
وَلَوْ أَقَرَّتْ أَرْبَعًا، وَجَبَ الْحَدُّ، وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ يُنْفَى. وَإِنْ رَجَعَتْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. فَإِنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ مَقْبُولٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِلْحَدِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ. وَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا لِنَفْيِ نَسَبٍ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ لِعَانُهَا لِنَفْيِ النَّسَبِ فِيهَا كُلِّهَا ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَفِيفَةً صَالِحَةً فَكَذَّبَتْهُ، مَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَتْ فَاجِرَةً فَصَدَّقَتْهُ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ نَفْيَ وَلَدِهَا أَوْلَى، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إنَّمَا يَكُونُ بِلِعَانِهِمَا مَعًا، وَقَدْ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا ; وَلِأَنَّهَا لَا تُسْتَحْلَفُ عَلَى نَفْيِ مَا تَقْرَبُهُ، فَتَعَذَّرَ نَفْيُ الْوَلَدِ لِتَعَذُّرِ سَبَبِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقَذْفِ وَقَبْلَ اللِّعَانِ.
(6297) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ. فَقَالَتْ: بِك زَنَيْت. فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَا عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ نَفْيَ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهَا، كَمَا يَسْتَعْمِلُ أَهْلُ الْعُرْفِ فِيمَا إذَا قَالَ قَائِلٌ: سَرَقْت. قَالَ: مَعَك سَرَقْت. أَيْ أَنَا لَمْ أَسْرِقْ ; لِكَوْنِك أَنْتَ لَمْ تَسْرِقْ. وَلَنَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ فِي قَذْفِهِ إيَّاهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ: صَدَقْت. وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَقْذِفْهُ، وَإِنَّمَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِزِنَاهَا بِهِ، وَيُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ زَانِيًا، بِأَنْ يَظُنَّهَا زَوْجَتَهُ وَهِيَ عَالِمَةٌ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ نَفْيَ ذَلِكَ عَنْهُمَا، كَمَا ذَكَرُوهُ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْنِي سِوَاكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زِنًا فَأَنْتَ شَرِيكِي فِيهِ.
وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِهِ عَنْ الرَّجُلِ بِظَاهِرِ تَصْدِيقِهَا، وُجُوبُهُ عَلَيْهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ ; فَإِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَلَا يَجِبُ بِهَا. وَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ. فَقَالَتْ: أَنْتِ أَزْنَى مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا: لَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ ; بِتَصْدِيقِهَا لَهُ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.