فهرس الكتاب

الصفحة 2704 من 3896

الْحَمْلُ بِنَفْيِهِ قَبْلَ الْوَضْعِ، وَلَا يَنْتَفِي حَتَّى يُلَاعِنَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ فِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُسْتَيْقَنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِيحًا، أَوْ غَيْرهَا، فَيَصِيرُ نَفْيُهُ مَشْرُوطًا بِوُجُودِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ اللِّعَانِ بِشَرْطٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: يَصِحُّ نَفْيُ الْحَمْلِ، وَيَنْتَفِي عَنْهُ، مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ هِلَالٍ، وَأَنَّهُ نَفَى حَمْلَهَا فَنَفَاهُ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَوَّلِ.

وَلَا خَفَاءَ بِأَنَّهُ كَانَ حَمْلًا، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اُنْظُرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا} . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرَةٌ. وَأَوْرَدَهَا. وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مَظْنُونٌ بِأَمَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا ثَبَتَتْ لِلْحَامِلِ أَحْكَامٌ تُخَالِفُ بِهَا الْحَائِلَ: مِنْ النَّفَقَةِ، وَالْفِطْرِ فِي الصِّيَامِ، وَتَرْكِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، وَتَأْخِيرِ الْقِصَاصِ عَنْهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ. وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْحَمْلِ، فَكَانَ كَالْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ ; لِمُوَافَقَتِهِ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ وَمَا خَالَفَ الْحَدِيثَ لَا يُعْبَأُ بِهِ كَائِنًا مَا كَانَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي اللِّعَانِ احْتِجَاجًا بِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا نَفْيُ الْحَمْلِ، وَلَا التَّعَرُّضُ لِنَفْيِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْوَلَدَ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِنَفْيِهِ بَعْدَ الْوَضْعِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي نَفْيِهِ إلَى إعَادَةِ اللِّعَانِ بَعْدَ الْوَضْعِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ: إنْ لَاعَنَهَا حَامِلًا، ثُمَّ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَفْيِهِ ; لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهَذِهِ قَدْ بَانَتْ بِلِعَانِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا. وَهَذَا فِيهِ إلْزَامُهُ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ، وَسَدُّ بَابِ الِانْتِفَاءِ مِنْ أَوْلَادِ الزِّنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ طَرِيقًا، فَلَا يَجُوزُ سَدُّهُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْحَالِ الَّتِي أَضَافَ الزِّنَا إلَيْهَا فِيهِ ; لِأَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي تَأْتِي بِهِ يَلْحَقُهُ إذَا لَمْ يَنْفِهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى نَفْيِهِ، وَهَذِهِ كَانَتْ زَوْجَةً فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَمَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَم.

(6274) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ، فَمَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ. قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ. وَمِنْ أَجَازَ نَفْيَهُ، قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِوُجُودِهِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَوَقْفِ الْمِيرَاثِ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِهِ كَالْمَوْلُودِ، وَإِذَا اسْتَلْحَقَهُ لَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ الْوَضْعِ. وَمَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ. قَالَ: لَوْ صَحَّ اسْتِلْحَاقُهُ لَزِمَهُ بِتَرْكِ نَفْيِهِ كَالْمَوْلُودِ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ. وَلِأَنَّ لِلشَّبَهِ أَثَرًا فِي الْإِلْحَاقِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الْوَضْعِ، فَاخْتُصَّ صِحَّةُ الِاسْتِلْحَاقِ بِهِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ اسْتَلْحَقَهُ ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا إنْ سَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَنْفِهِ، وَلَمْ يَسْتَلْحِقْهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَا قَوْلَهُ ; لِأَنَّ تَرْكَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودَهُ إلَّا أَنْ يُلَاعِنَهَا، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَلْزَمَهُ الْوَلَدَ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.

(6275) فَصْلٌ: وَإِذَا وَلَدْت امْرَأَتُهُ وَلَدًا، فَسَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ، مَعَ إمْكَانِهِ، لَزِمَهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَتَقَدَّرُ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ، بَلْ هُوَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، إنْ كَانَ لَيْلًا فَحَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْتَشِرَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ جَائِعًا أَوْ ظَمْآنَ فَحَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ، أَوْ يَنَامَ إنْ كَانَ نَاعِسًا، أَوْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ وَيُسْرِجَ دَابَّتَهُ وَيَرْكَبَ وَيُصَلِّيَ إنْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُحْرِزَ مَالَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرَزٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَشْغَالِهِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ تَأْخِيرُ نَفْيِهِ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّ النَّفْيَ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ يَشُقُّ، فَقُدِّرَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت