فهرس الكتاب

الصفحة 2700 من 3896

وَلَنَا، أَنَّهُ أَتَى بِاللِّعَانِ عَلَى غَيْرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ بَيِّنَتُهُ لِإِثْبَاتِ زِنَاهَا وَنَفْيِ وَلَدِهَا، وَلِعَانَ الْمَرْأَةِ لِلْإِنْكَارِ، فَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْإِثْبَاتِ، كَتَقْدِيمِ الشُّهُودِ عَلَى الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ لِعَانِ الْمَرْأَةِ لِدَرْءِ الْعَذَابِ عَنْهَا، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا ذَلِكَ إلَّا بِلِعَانِ الرَّجُلِ، فَإِذَا قَدَّمَتْ لِعَانَهَا عَلَى لِعَانِهِ، فَقَدْ قَدَّمَتْهُ عَلَى وَقْتِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ قَدَّمَتْهُ عَلَى الْقَذْفِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَذْكُرَ نَفْيَ الْوَلَدِ فِي اللِّعَانِ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ، لَمْ يَنْتَفِ، إلَّا أَنْ يُعِيدَ اللِّعَانَ وَيَذْكُرَ نَفْيَهُ. وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ وَنَفْيِهِ، وَيَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ ; وَلِأَنَّ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، الَّذِي وَصَفَ فِيهِ اللِّعَانَ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْوَلَدَ، وَقَالَ فِيهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ {رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ} . وَلَنَا، أَنَّ مَنْ سَقَطَ حَقُّهُ بِاللِّعَانِ، كَانَ ذِكْرُهُ شَرْطًا، كَالْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي اللِّعَانِ أَنْ يُثْبِتَ زِنَاهَا، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْوَلَدِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ: وَكَانَتْ حَامِلًا، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا. مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ. وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ {رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ} . وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ.

فَعَلَى هَذَا، لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَلَدِ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ، وَمَعَ اللَّعْنِ فِي الْخَامِسَةِ ; لِأَنَّهَا مِنْ لَفْظَاتِ اللِّعَانِ. وَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ شَرْطًا خَامِسًا، وَهُوَ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَشْتَرِطُ تَفْرِيقَ الْحَاكِمِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَلَا يُشْتَرَطُ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَلَا لِفَسْخِ النِّكَاحِ. وَشَرَطَ أَيْضًا شَرْطًا سَادِسًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَذَفَهَا. وَهَذَا شَرْطُ اللِّعَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْقَذْفِ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(6268) فَصْلٌ: وَإِنْ وَلَدْت امْرَأَتُهُ تَوْأَمَانٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. فَاسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا، وَنَفَى الْآخَرَ، لَحِقَا بِهِ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مِنْهُ وَبَعْضُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ ضَرُورَةً، فَجَعَلْنَا مَا نَفَاهُ تَابِعًا لِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَلَمْ نَجْعَلْ مَا أَقَرَّ بِهِ تَابِعًا لِمَا نَفَاهُ ; لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ لَا لِنَفْيِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ يُمْكِن كَوْنُهُ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ، أَلْحَقْنَاهُ بِهِ احْتِيَاطًا، وَلَمْ نَقْطَعْهُ عَنْهُ احْتِيَاطًا لِنَفْيِهِ. فَإِنْ كَانَ قَدْ قَذَفَ أُمَّهُمَا وَطَالَبَتْهُ بِالْحَدِّ، فَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ. وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ يُحَدُّ، وَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ بِاللِّعَانِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ اعْتَرَفَ بِكَذِبِهِ فِي قَذْفِهِ، فَلَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهُ، انْتِفَاءُ الزِّنَا عَنْهَا، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الزِّنَا مِنْهَا كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، لَمْ يَنْتَفِ الْوَلَدُ عَنْهُ، فَلَا تَنَافِي بَيْنَ لِعَانِهِ وَبَيْنَ اسْتِلْحَاقِهِ لِلْوَلَدِ. وَإِنْ اسْتَلْحَقَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت