أَيْضًا، فَهَاهُنَا أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمْ: لَوْ الْتَعَنَ مِنْ الْوَلَدِ الْمَيِّتِ وَنَفَاهُ لَمْ يَرِثْهُ فَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ ؟ قُلْنَا: لَوْ الْتَعَنَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ دُونَهَا، لَمْ يَنْتَفِ الْوَلَدُ، وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ اللِّعَانِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا نَفَى الْوَلَدَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ أَصْلًا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَالزَّوْجَةُ قَدْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ فِيمَا قَبْلَ اللِّعَانِ، وَإِنَّمَا يُزِيلُ نِكَاحَهَا اللِّعَانُ، كَمَا يُزِيلُهُ الطَّلَاقُ.
فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَهُ، فَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ وُجُودِ مَا يُزِيلُهُ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ، فَيُوجِبُ التَّوَارُثَ، وَيَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ، فَلَا يُمْكِنُ انْقِطَاعُهُ مَرَّةً أُخْرَى. وَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ اللِّعَانَ، وَلَمْ تَكُنْ طَالَبَتْ بِالْحَدِّ فِي حَيَاتِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَلَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ. وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ، وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ كَانَتْ طَالَبَتْ بِالْحَدِّ فِي حَيَاتِهَا، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَهَا يَقُومُونَ فِي الطَّلَبِ بِهِ مَقَامَهَا، فَإِنْ طُولِبَ بِهِ، فَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَإِلَّا فَلَا ; لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الطَّلَبِ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَارِثٌ غَيْرَ الزَّوْجِ، فَلَهُ اللِّعَانُ، لِيُسْقِطَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا ; لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(6253) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِالْحَدِّ، سَقَطَ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ الطَّلَبُ بِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يُورَثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَالَبَ بِهِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ} . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ، يُورَثُ إذَا طَالَبَ بِهِ، فَيُورَثُ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ، كَحَقِّ الْقِصَاصِ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَدٌّ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الطَّلَبُ مِنْ الْمَالِكِ، لَمْ يَجِبْ، كَحَدِّ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ الْمَتْرُوكَ يُورَثُ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ، وَأَمَّا حَقُّ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَيَنْتَقِلُ إلَى الْمَالِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَمَّا إنْ طَالَبَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهُ تَرِثُهُ الْعَصَبَاتُ مِنْ النَّسَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لِدَفْعِ الْعَارِ، فَاخْتَصَّ بِهِ الْعَصَبَاتُ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ. وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمَتَى ثَبَتَ لِلْعَصَبَاتِ، فَلَهُمْ اسْتِيفَاؤُهُ. وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمْ وَحْدَهُ، فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ، وَكَانَ لِلْبَاقِينَ اسْتِيفَاؤُهُ. وَلَوْ بَقِيَ وَاحِدٌ، كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ يُرَادُ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ، فَلَمْ يَتَبَعَّضْ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْبَعْضِ ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَصَبَاتِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُهُ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَيُفَارِقُ حَقَّ الْقِصَاصِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوتُ إلَى بَدَلٍ، وَلَوْ أَسْقَطْنَاهُ هَاهُنَا، لَسَقَطَ حَقُّ غَيْرِ الْعَافِي إلَى غَيْرِ بَدَلٍ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَلَهَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتهَا غَيْرُهُ، فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَصَبَتَهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، سَقَطَ. وَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْ عَصَبَتهَا غَيْرُهُ، فَلَهُ الطَّلَبُ بِهِ، وَلَا يَسْقُطُ ; بِمَا ذَكَرْنَا، مِنْ أَنَّهُ يَكْمُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ.
(6254) فَصْلٌ: وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، تَشْهَدُ بِزِنَاهَا، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ لِعَانِهَا وَبَيْنَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ; لِأَنَّهُمَا بَيِّنَتَانِ، فَكَانَتْ لَهُ الْخِيرَةُ فِي إقَامَةِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ، كَمَنْ لَهُ بِدَيْنٍ شَاهِدَانِ وَشَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهَا مَا