وَلَنَا أَنَّ هَذَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ، وَيَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ إجْزَاءَهَا، كَمَا لَوْ قُطِعَتَا مِنْ وِفَاقٍ وَيُخَالِفُ الْعَوَرَ ; فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا. وَالِاعْتِبَارُ بِالضَّرَرِ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِبَارِ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ; فَإِنَّهُ لَوْ ذَهَبَ شَمُّهُ، أَوْ قُطِعَتْ أُذُنَاهُ مَعًا، أَجْزَأَ مَعَ ذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ إذَا كَانَ عَرَجًا كَثِيرًا فَاحِشًا ; لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرِّجْلِ. وَإِنْ كَانَ عَرَجًا يَسِيرًا، لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ ; لِأَنَّهُ قَلِيلُ الضَّرَرِ.
(6200) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ الْأَعْوَرُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ وَالْإِجْزَاءَ فِي الْهَدْيِ، فَأَشْبَهَ الْعَمَى. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ ; فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ، وَتَمْلِيكُ الْعَبْدِ الْمَنَافِعَ، وَالْعَوَرُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ. وَيُفَارِقُ الْعَمَى ; فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا، وَيَمْنَعُ كَثِيرًا مِنْ الصَّنَائِعِ، وَيَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ. وَيُفَارِقُ قَطْعَ إحْدَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ; فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِإِحْدَاهُمَا مَا يَعْمَلُ بِهِمَا، وَالْأَعْوَرُ يُدْرِكُ بِإِحْدَى الْعَيْنَيْنِ مَا يُدْرِكُ بِهِمَا. وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْهُمَا مُجَرَّدُ الْعَوَرِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ انْخِسَافُ الْعَيْنِ، وَذَهَابُ الْعُضْوِ الْمُسْتَطَابِ، وَلِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ يُمْنَعُ فِيهَا قَطْعُ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ، وَالْعِتْقُ لَا يُمْنَعُ فِيهِ إلَّا مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ.
وَيُجْزِئُ الْمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ. وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَزُفَرُ: لَا يُجْزِئُ. لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا الدِّيَةُ، أَشْبَهَا الْيَدَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّ قَطْعَهُمَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ الضَّرَرَ الْبَيِّنَ، فَلَمْ يَمْنَعْ، كَنَقْصِ السَّمْعِ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدَيْنِ. وَيُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْأَنْفِ كَذَلِكَ. وَيُجْزِئُ الْأَصَمُّ إذَا فَهِمَ بِالْإِشَارَةِ. وَيُجْزِئُ الْأَخْرَسُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ وَفَهِمَ بِالْإِشَارَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُجْزِئُ ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ ذَاهِبَةٌ، فَأَشْبَهَ زَائِلَ الْعَقْلِ. وَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ الْخَرَسَ نَقْصٌ كَثِيرٌ، يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ، مِثْلُ الْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَفْهَمُ إشَارَتَهُ، فَيَتَضَرَّرُ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ الْخَرَسُ وَالصَّمَمُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ; لِاجْتِمَاعِ النَّقْصَيْنِ فِيهِ، وَذَهَابِ مَنْفَعَتَيْ الْجِنْسِ. وَوَجْهُ الْإِجْزَاءِ، أَنَّ الْإِشَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْكَلَامِ فِي الْإِفْهَامِ، وَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ فَيُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ، كَاَلَّذِي ذَهَبَ شَمُّهُ. فَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ شَمُّهُ فَيُجْزِئُ ; لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَأَمَّا الْمَرِيضُ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْبُرْءِ كَالْحُمَّى وَمَا أَشْبَهَهَا، أَجْزَأَ فِي الْكَفَّارَةِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، كَالسِّلِّ، وَنَحْوِهِ، لَمْ يُجْزِئْ ; لِأَنَّ زَوَالَهُ يَنْدُرُ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ بَقَائِهِ. وَأَمَّا نِضْوُ الْخَلْقِ، فَإِنْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَجْزَأَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَيُجْزِئُ الْأَحْمَقُ، وَهُوَ الَّذِي يُخْطِئُ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيَصْنَعُ الْأَشْيَاءَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، وَيَرَى الْخَطَأَ صَوَابًا، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْخَصِيُّ، وَالْمَجْبُوبُ، وَالرَّتْقَاءُ، وَالْكَبِيرُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ ; لِأَنَّ مَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ، لَا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ، فَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهِ كَالسَّالِمِ مِنْ الْعُيُوبِ.
(6201) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْجَانِي وَالْمَرْهُونِ، وَعِتْقُ الْمُفْلِسِ عَبْدَهُ، إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ عِتْقِهِمْ، وَعِتْقُ الْمُدَبَّرِ، وَالْخَصِيِّ، وَوَلَدِ الزِّنَا ; لِكَمَالِ الْعِتْقِ فِيهِمْ.
(6202) فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْمَغْصُوبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْ مَنَافِعِهِ، وَلَا غَائِبٍ غَيْبَةً