فهرس الكتاب

الصفحة 2645 من 3896

إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي وَقْتِ يَمِينِهِ ; فَإِنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الْيَمِينِ، حُسِبَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَعُلِمَ هَلْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أَوْ لَا. وَزَالَ الْخِلَافُ. أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْيَمِينِ، فَقَالَ: حَلَفْتُ فِي غُرَّةِ رَمَضَانَ. وَقَالَتْ: بَلْ حَلَفْتَ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ. فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِيلَاءِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَلِفِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ، فَكَانَ قَوْلُهُ فِي نَفْيِهِ مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ. قَالَ الْخِرَقِيِّ: وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ.

وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ، إلَى أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي أَحْكَامِ النِّكَاحِ، فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ يَمِينٌ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْهُ. وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ} . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ يَجُوزُ بَذْلُهُ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ، كَالدُّيُونِ.

(6159) فَصْلٌ: فَإِنْ تَرَكَ الْوَطْءَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ; لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْحَلِفُ. وَلَكِنْ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، وَنَحْوِهِ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا، فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا، وَإِلَّا دُعِيَ بَعْدَهَا إلَى الْوَطْءِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، كَمَا يُفْعَلُ فِي الْإِيلَاءِ، سَوَاءٌ ; لِأَنَّهُ أَضَرَّ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، فَيَلْزَمُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ، كَالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجْعَلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ وَاجِبًا إذَا أَقْسَمَ عَلَى تَرْكِهِ، فَوُجُوبُهُ مَعَهَا يَدُلُّ عَلَى، وُجُوبِهِ قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي الْإِيلَاءِ إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَرْأَةِ، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَضَرَرُهَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِيلَاءِ وَعَدَمِهِ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْوُجُوبُ.

فَإِنْ قِيلَ: فَلَا يَبْقَى لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ، فَلِمَ أَفْرَدْتُمْ لَهُ بَابًا ؟ قُلْنَا: بَلْ لَهُ أَثَرٌ ; فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ، اُكْتُفِيَ بِدَلَالَتِهِ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْيَمِينُ، احْتَجْنَا إلَى دَلِيلٍ سِوَاهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَارَّةِ، فَيُعْتَبَرُ الْإِيلَاءُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمُقْتَضَى لَا لِعَيْنِهِ. وَالثَّانِيَةُ، لَا تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُولٍ، فَلَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ، وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْإِيلَاءِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ، إذْ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِدُونِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت