فهرس الكتاب

الصفحة 2636 من 3896

لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالطَّلَاقِ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حَالِ زَوَالِ الْعُذْرِ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْعُذْرُ قَاطِعًا لِلْمُدَّةِ كَالْحَيْضِ، أَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.

(6136) فَصْلٌ: فَإِنْ عَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَسْقُطُ حَقُّهَا، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ الْفَسْخِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ، فَسَقَطَ حَقُّهَا مِنْهُ، كَامْرَأَةِ الْعِنِّينِ إذَا رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهَا، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ مَتَى شَاءَتْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِرَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ مَا يَتَجَدَّدُ مَعَ الْأَحْوَالِ، فَكَانَ لَهَا الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ، فَعَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَسْخِ، ثُمَّ طَالَبَتْ، وَفَارَقَ الْفَسْخَ لِلْعُنَّةِ ; فَإِنَّهُ فَسْخٌ لِعَيْبِهِ، فَمَتَى رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ، سَقَطَ حَقُّهَا، كَمَا لَوْ عَفَا الْمُشْتَرِي عَنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ، وَإِنْ سَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ، فَلَهَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ حَقَّهَا يَثْبُتُ عَلَى التَّرَاخِي، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، كَاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ.

(6137) فَصْلٌ: وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ، سَوَاءٌ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْفُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، حَيْثُ كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ يَحْصُلُ لَهَا. فَإِنْ تَرَكَتْ الْمُطَالَبَةَ، لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهَا الطَّلَبُ ; لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: حَقُّهُ فِي الْوَلَدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْعَزْلُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنِهِ. قُلْنَا: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الزَّوْجِ اسْتِيلَادُ الْمَرْأَةِ ; وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لِيَعْزِلَنَّ عَنْهَا أَوْ لَا يَسْتَوْلِدُهَا، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، وَلَوْ أَنَّ الْمُولِيَ وَطِئَ بِحَيْثُ يُوجَدُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، حَصَلَتْ الْفَيْئَةُ، وَزَالَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَإِنَّمَا اُسْتُؤْذِنَ السَّيِّدُ فِي الْعَزْلِ ; لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَمَةِ، فَرُبَّمَا نَقَصَ قِيمَتَهَا.

(6138) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً، أَوْ مَجْنُونَةً، فَلَيْسَ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِمَا الْمُطَالَبَةُ لَهُمَا ; لِأَنَّ هَذَا طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُمَا مَقَامَهُمَا فِيهِ. فَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُمَا، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ ; لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهِمَا. وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُمَا مُمْكِنًا. فَإِنْ أَفَاقَتْ الْمَجْنُونَةُ، أَوْ بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ، قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، تَمَّمَتْ الْمُدَّةَ، ثُمَّ لَهَا الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَلَهُمَا الْمُطَالَبَةُ يَوْمئِذٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُطَالَبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُضْرَبُ الْمُدَّةُ فِي الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَبْلُغَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُضْرَبُ الْمُدَّةُ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ الْوَطْءُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوَطْءُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ، وَإِلَّا بَانَتْ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي النَّاشِزِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْقَرْنَاءُ، وَاَلَّتِي غَابَتْ فِي الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ هَذَا إيلَاءٌ صَحِيحٌ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَقَّبَهُ الْمُدَّةُ، كَالَّتِي يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا. وَلَنَا أَنَّ حَقَّهَا مِنْ الْوَطْءِ يَسْقُطُ بِتَعَذُّرِ جِمَاعِهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لَهُ، كَمَا يَسْقُطُ أَجَلُ الدَّيْنِ بِسُقُوطِهِ. وَأَمَّا الَّتِي أَمْكَنَهُ جِمَاعُهَا، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ فِي حَقِّهَا ; لِأَنَّهُ إيلَاءٌ صَحِيحٌ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ كَالْبَالِغَةِ، وَمَتَى قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ أَثِمَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فَإِمَّا أَنْ تَفِيئَ، وَإِمَّا أَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت