فهرس الكتاب

الصفحة 2565 من 3896

وَالْإِنَاءِ الْكَبِيرِ، فَإِنَّهُ لَا تَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَّا إلَى الشُّرْبِ مِنْ مَائِهِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ بَرَدَى، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ بَرَدَى، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ، حَنِثَ. ذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الْقَاضِي ; لِأَنَّ بَرَدَى اسْمٌ لَمَكَانٍ خَاصٍّ، فَإِذَا تَجَاوَزَهُ إلَى مَكَان سِوَاهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، فَمَا شَرِبَ مِنْ بَرَدَى، وَإِذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَائِهِ، فَمَاؤُهُ مَاؤُهُ حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ نُقِلَ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ تَمْرِ الْبَصْرَةِ، فَأَكَلَهُ فِي غَيْرِهَا، حَنِثَ.

وَإِنْ اغْتَرَفَ مِنْ بَرَدَى بِإِنَاءٍ، وَنَقَلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ، فَشَرِبَهُ، حَنِثَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا ; لِأَنَّ اغْتِرَافَ الْمَاءِ مِنْ بَرَدَى. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالشُّرْبِ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفُرَاتِ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ فُرَاتٍ، حَنِثَ بِالشُّرْبِ مِنْ كُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ ; لِأَنَّهُ إذَا عَرَّفَهُ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ انْصَرَفَ إلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ، وَإِذَا أَنْكَرَهُ صَارَ لِلْعُمُومِ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُسَمَّى فُرَاتًا، وَكُلُّ عَذْبٍ فُرَاتٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} . وَقَالَ: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} . وَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُحْتَمَلَ الْآخَرَ، انْصَرَفَ إلَيْهِ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَرِيبٌ لَا تَبْعُدُ إرَادَتُهُ.

(5986) فَصْلٌ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتُمُهُ، وَلَا يُكَلِّمُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، حَنِثَ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ، وَلَا يَشُجُّهُ، وَلَا يَقْتُلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَفَعَلَهُ، وَالْحَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، حَنِثَ ; لِأَنَّ الشَّتْمَ وَالْكَلَامَ قَوْلٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْقَائِلُ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ حُضُورُ الْمَشْتُومِ، فَيُوجَدُ مِنْ الشَّاتِم فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْتُومُ فِيهِ، وَالْكَلَامُ قَوْلٌ ; فَهُوَ كَالشَّتْمِ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مَحِلُّهُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَقْتُولُ وَالْمَشْجُوجُ، فَإِذَا كَانَ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَانَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِهِ، فَيُعْتَبَرُ مَحَلُّ الْمَفْعُولِ بِهِ.

وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَرَحَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ. وَإِنْ جَرَحَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَاتَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَقَالَ: يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَقْتُولًا حَتَّى يَمُوتَ، فَاعْتُبِرَ يَوْمُ مَوْتِهِ لَا يَوْمُ ضَرْبِهِ. وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالْعَكْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَيُعْتَبَرَ يَوْمُ جَرْحِهِ لَا يَوْمُ مَوْتِهِ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلُ الْقَاتِلِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ} . وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَى فِعْلٍ مُمْكِنٍ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، وَذَلِكَ فِعْلُ الْآدَمِيِّ مِنْ الْجَرْحِ وَنَحْوِهِ، أَمَّا الزَّهُوقُ فَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَلَا يُنْهَى عَنْهُ، وَلَا سَبِيلَ لِلْآدَمِيِّ إلَّا تَعَاطِي سَبَبِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الْقَتْلِ، فَإِذَا وُجِدَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُفْضِيَ إلَيْهِ كَانَ قَتْلًا، وَلِذَلِكَ جَازَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْجَرْحِ، وَقَبْلَ الزَّهُوق.

وَلَوْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّهُ، فَمَاتَ مِنْ جُرْحٍ كَانَ جَرَحَهُ، لَمْ يَبَرَّ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُهُ، لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ أَيْضًا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبَرَّ حَتَّى يُوجَدَ السَّبَبُ وَالزَّهُوقُ مَعًا فِي يَوْمٍ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِسَبَبِهِ وَشَرْطِهِ، فَأَمَّا بِنِسْبَتِهِ إلَى الشَّرْطِ وَحْدَهُ دُونَ السَّبَبِ، فَبَعِيدٌ.

(5987) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي، فَهِيَ طَالِقٌ، فَبَشَّرَتْهُ إحْدَاهُنَّ، وَهِيَ صَادِقَةٌ، طَلُقَتْ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت