مَا يُعْلَمُ بِهِ الْبَرَاءَةُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ. وَأَمَّا الْعِدَّةُ، فَفِيهَا نَوْعُ تَعَبُّدٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّى بِالْقِيَاسِ.
وَهَلْ تَعْتَدُّ بِالِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ عَقْدِ الْيَمِينِ، أَوْ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي حَلَفَ فِيهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا الِاعْتِدَادُ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ. وَالثَّانِي، لَا يُعْتَدُّ بِهِ ; لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى سَبَبِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ. قَالَ أَحْمَدُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا حَبِلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ. يَطَؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً. يَعْنِي إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا ; لِأَنَّ الْحَيْضَ عَلَمٌ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ، وَوَطْؤُهَا سَبَبٌ لَهُ، فَإِذَا وَطِئَهَا اعْتَزَلَهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَدْ حَمَلَتْ مِنْ وَطْئِهِ، فَطَلُقَتْ بِهِ.
(5965) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: إنَّ كُنْت حَامِلًا بِغُلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ. فَوَلَدَتْ غُلَامًا، كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ. تَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً حِينَ حَلَفَ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ. وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، طَلُقَتْ بِوِلَادَتِهَا طَلْقَتَيْنِ، وَاعْتَدَّتْ بِالْقُرُوءِ. وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، وَكَانَ الْغُلَامُ أَوَّلَهُمَا وِلَادَةً، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَبَانَتْ بِوَضْعِ الْجَارِيَةِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أَوَّلَهُمَا وِلَادَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا ; وَاحِدَةً بِحَمْلِ الْغُلَامِ، وَاثْنَتَيْنِ بِوِلَادَةِ الْجَارِيَةِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْغُلَامِ. وَإِنْ قَالَ لَهَا: إنْ كُنْت حَامِلًا بِغُلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كُنْت حَامِلًا بِجَارِيَةِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ. فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ حَمْلُك غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ حَمْلُك جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ. فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، لَمْ تَطْلُقْ ; لِأَنَّ حَمْلَهَا كُلَّهُ لَيْسَ بِغُلَامٍ وَلَا هُوَ جَارِيَةٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي"الْمُجَرَّدِ"، وَأَبُو الْخَطَّابِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ: الْقَاضِي، فِي"الْجَامِع": فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ ; بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَنْ حَلَفَ: لَا لَبِسْت ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا. فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْ غَزْلِهَا.
(5966) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَوَلَدَتْ ثَلَاثًا، دَفْعَةً وَاحِدَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا ; لِأَنَّ صِفَةَ الثَّلَاثِ وُجِدَتْ وَهِيَ زَوْجَةٌ. وَإِنْ وَلَدَتْهُمْ فِي دَفَعَاتٍ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ، طَلُقَتْ بِالْأَوَّلَيْنِ، وَبَانَتْ بِالثَّالِثِ، وَلَمْ تَطْلُقْ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهَا تَطْلُق ; لِأَنَّ زَمَانَ الْبَيْنُونَةِ زَمَنُ الْوُقُوعِ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا. وَلَنَا، أَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَصَادَفَهَا الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا مِتّ فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، فِي مَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي. أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ. فَهَذَا أَوْلَى.
وَإِنْ قَالَ: إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ. فَوَلَدَتْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً، طَلُقَتْ ثَلَاثًا. وَإِنْ وَلَدَتْهُمَا فِي دَفْعَتَيْنِ، وَقَعَ بِالْأَوَّلِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِي، وَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ، إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ. فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، أَوْ كَيْفِيَّةُ وَضْعِهِمَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً بِيَقِينٍ، وَلَا تَلْزَمُهُ الثَّانِيَةُ، وَالْوَرَعُ أَنْ يَلْتَزِمَهَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ أَوَّلُ مَا تَلِدِينَ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ. فَوَلَدَتْهُمَا دَفْعَةً